مقاربة صوفية وتعريف جديد لعلم الجمال… اللوحة الجميلة مثالاً

تُعدّ مسألة تحديد المعايير التي يُبنى عليها الحكم على الأعمال الفنية — ومنها اللوحات التشكيلية — من الإشكالات المركزية في فلسفة الجمال ونقد الفن. فالسؤال عن ماهية الجمال ليس سؤالاً تقنياً بقدر ما هو سؤالٌ أنطولوجي يتعلّق بطبيعة التجربة الجمالية ذاتها. وفي هذا السياق، يبرز تعريفٌ يستند إلى أثرٍ وجداني مباشر يختبره المتلقي لحظة النظر إلى العمل الفني، ومفاده أن اللوحة الجميلة هي تلك التي تستحثّ انفعال الدهشة العميقة بحيث تدفع المتلقي — عفوياً ودون تكلّف — إلى التلفظ بكلمة: “الله”.
هذا التعريف، على بساطته الظاهرية، يخضع لتفكيكٍ أكاديمي يكشف خلفياته الفلسفية ومضامينه الجمالية. وفق هذا المنظور، لا يتأسس الجمال على خصائص شكلية كاللون والخطّ والمنظور والتكوين، على الرغم من أهميتها.
بل يتأسس على تأثير مركزي هو:
الاستجابة الوجدانية المباغتة التي تقع قبل المرور بأي تحليل معرفي.
وبذلك ينتمي هذا التعريف إلى مقاربة ترى الجمال خبرةً نفسية-جمالية (Aesthetic Experience)، لا مجرد مجموعة صفات موضوعية في اللوحة.
تُعدّ الدهشة (Awe) في الأدبيات الجمالية إحدى أكثر الاستجابات ارتباطاً بما يُسمّى “التسامي” (Sublime).
فاللوحة التي تُحدث هذا الوقع ليست جميلة بالمعنى التقليدي فحسب، بل هي سامية لأنها تحرّك في المتلقي إحساساً بتجاوز الفن لحدوده البشرية.
العبارة التلقائية «الله» هنا لا تُستخدم بمعنى ديني مباشر، بل بوصفها استجابة لامركزية تعبّر عن تماسّ سريع مع ما يتجاوز المألوف، أي مع لحظة إدراك جمال لا يمكن اختزاله.
على الرغم من أن مركز التعريف هو الأثر الوجداني، إلا أن هذا الأثر لا ينشأ في الفراغ، بل يتولد، غالباً، من اجتماع عدد من العناصر الفنية والنفسية:
أ. الصدق الفني (Artistic Authenticity)
وهو تعبير عن حضور الأثر الشخصي للفنان وفرادته التعبيرية، بعيداً عن التكرار أو المحاكاة.
فاللوحات التي تفتقر إلى الصدق الفني — مهما بلغت تقنياً — نادراً ما تُحدث انفعال الدهشة.
ب. الانسجام الداخلي (Internal Coherence)
يشمل علاقة اللون بالخط، وتوزيع الظلال، وضبط الإيقاع البصري.
اللوحة غير المتوازنة بصرياً تُربك المتلقي بدلاً من أن تُدهشه.
ج. حضور “السرّ” الجمالي (Aesthetic Mystery)
وهو عنصر غير قابل للتحديد بدقة؛ يشير إلى ما لا تستطيع النظرية ولا التقنية أن تفسّره، لكنه يتجلى في العمل بوصفه قيمة شعورية مضافة.
د. الحيوية التعبيرية (Expressive Vitality)
وهي ما يُميز اللوحة الحيّة من اللوحة الجامدة، حتى وإن تساوتا في المهارة التقنية.
هذه الحيوية هي التي تجعل العين تتعرّف على “روح” اللوحة قبل أن تقرأ تفاصيلها.
يُظهر هذا التعريف تمايزاً جوهرياً بين:
• الحكم الفني التقني: الذي يقيس جودة اللوحة بمعايير الرسم،
• والحكم الجمالي: الذي يقيس قدرتها على إحداث انفعال دهشة مُباشر.
وعليه، فإن الجمال لا يُختزل في المهارة، ولا في المدرسة الفنية، ولا في مقدار الالتزام بقواعد المنظور أو المزج اللوني، بل يتجاوز ذلك إلى تأثيرٍ كُلّي يحدث لدى المتلقي.
وفق هذا التصور، تُوصف اللوحة بأنها جميلة عندما:
• تُنتج تجربة دهشة فورية لدى المتلقي،
• تبرز فيها أصالة التعبير الفني،
• تحقق انسجاماً بصرياً داخلياً،
• وتكون حاملةً لقدر من الغموض الذي يدفع المتلقي إلى استشعار ما يتجاوز قدرة الفنان على الشرح.
وعند تحقق هذه الشروط، تبرز الاستجابة الوجدانية العفوية المتمثلة في كلمة: “الله”، بوصفها أعلى درجات الانفعال الجمالي، وأصدقها.

أضف تعليق