
تُعدّ الآية 102 من سورة البقرة واحدةً من أكثر الآيات التي رافق تفسيرها قدرٌ كبير من الالتباس المنهجي، وذلك بسبب إيثار بعض المفسرين للمأثور والروايات المتداولة على منهجية التدبّر التي جعلها الله تعالى شرطًا لازمًا لفهم آيات كتابه:
{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29].
فالتدبر هنا ليس ترفًا تأويليًا، بل فريضة معرفية تُلزم الباحث بأن يَقرأ الآيات وفق ترابطها الداخلي، بدلاً من الركون إلى ما تراكم من شروحٍ قبلية قد تحجب عن النص دلالاته الدقيقة.
لقد شاع بين كثير من المفسرين أن ما كان هاروت وماروت يُعلّمانه للناس في بابل هو “السحر”، اعتمادًا على قراءة تجتزئ من الآية قولَه تعالى:
{يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ}
فتعاملوا مع “الواو” هنا بوصفها عطفَ تفسيرٍ، فاعتبروا أن “ما أُنزل على الملكين” هو السحر نفسه، دون أن يلتفتوا إلى أن تركيب الآية يميّز تمييزًا قاطعًا بين أمرين:
- السحر الذي كانت الشياطين تعلمه للناس
- وما أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت
إن تجاهل هذا التفريق أفضى إلى إقحام الملكين في تعليم السحر، وهو ما لا يقول به ظاهرُ الآية، ولا ينسجم مع طبيعة وظيفة الملائكة.
الآية تقول بوضوح: {وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}، ثم تأتي الجملة اللاحقة: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} لتؤسس مفعولاً مستقلاً لا يندرج لغويًا تحت السحر.
فالآية تُخبر أن السكان كانوا يشترون شيئين: - السحر الذي تُعلّمه الشياطين
- و«ما أُنزل على الملكين»، وهو “علمٌ ما”، معروضٌ لمن أراد أن يتعلمه “فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا”.
ولو تدبّر المفسّرون هذا الفصل البنيوي داخل الآية، لتبيّن لهم أن التفسير التقليدي دمج بين مسارين مختلفين: مسار الشياطين، ومسار الملكين. فلقد ذهب بعض المفسرين إلى أن ما أُنزل على هاروت وماروت لا يمكن أن يكون إلا السحر، لأنهم رأوا، وفق قياس عقلي، أن الله لا يُنزّل على ملكين علمًا يترتب عليه التفريق بين الزوج وزوجه. وهذا الاستدلال مبني على تحكيم العقل في مجال ليس من اختصاصه، لأن الآية نفسها تُنبّه إلى عنصر غائب في هذا الاستنتاج، وهو الشرط الإلهي: {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}، فالآية لا تقول إن هذا “العلم” يُفرّق بين المرء وزوجه بذاته، ولا مطلقًا، بل إذا شاء الله. إن وجود هذا الشرط يجعل محاولة تفسير “الشيء المنزل” وفق المعايير المألوفة أو القياسات البشرية محاولةً غير كافية، لأن النص يُصنف هذا الشيء في نطاق أمرٍ مرتبط مباشرة بمشيئة الله، لا بآلية بشرية أو سببية مادية مفهومة.
إن التدبر يقود إلى نتيجة حاسمة مفادها أن ما أُنزل على الملكين ببابل لم يكن سحرًا؛ فالنص لم يصفه بالسحر، ولم يدمجه ضمن تعليم الشياطين، ولم يحمّل الملكين مسؤولية تعليم ما حرّمه الله، إنما كانا يبلغان علمًا ذا طبيعة خاصة، مع تحذير صريح: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}
إننا أمام علم مجهول ماهيةً:
– ليس سحرًا كما يُمارس بشريًا
– وليس قوةً مستقلة عن مشيئة الله
– وليس مما تُدرِك آليته عقول البشر
بل هو أمرٌ آخر كشف الله عنه للملكين وجعله ابتلاءً لبني آدم، دون أن يطلعنا على تفاصيله أو كنهه. فلو كان ما أُنزل على هاروت وماروت هو السحر نفسه، لما كان ثمة معنى لذكر السحر أولاً وذكر المنزّل ثانيًا. ولما كان هناك داعٍ لجعل فعل الضرر مشروطًا بالإذن الإلهي، فالسحر نفسه – بشهادة القرآن – لا يعمل إلا وفق قواعد سببية محددة، أما المنزَّل على الملكين فعمله ليس آليًا، بل مقرون بمشيئة مباشرة.
وهذا دليل آخر على أن المقاربة التقليدية خلطَت بين سياقين، فأضاعت الدلالة الدقيقة للنص.
الخلاصة التي يسفر عنها التدبر هي أن: - الشياطين علموا الناس السحر
- الملكان بلّغا علماً آخر
- هذا العلم ليس سحرًا، ولكنه فتنة
- تأثيره غير ثابت، بل مشروط بإذن الله
ولأن القرآن لم يكشف ماهية هذا “الشيء الآخر”، فلا سبيل للعقل البشري إلى إدراك حقيقته، ولا يجوز ردّه إلى السحر لمجرد أننا لا نملك مصطلحًا آخر لعملٍ يتسبب – بإذن الله – في التفريق بين المرء وزوجه.
إن هذا التواضع أمام النص، والاعتراف بأن علم الله قد يُنزل منه ما لا ندركه، هو أعلى مراتب التدبر، وأصدقها.
