
ما الذي يجعلُ الإنسانَ على هذا القدر الكبير من التمايزِ والاختلاف عن الحيوان، وذلك على الرغمِ مما يجمع بينهما من ماضٍ تطوري مشترك؟ سؤالٌ منطقي لابد وأن يتبادرَ إلى الذهن كلما تذكرنا ما يعجزُ الحيوانُ عن القيامِ به من أفعالٍ وسلوكيات تمايزَ بها الإنسانُ عنه. فإطلالةٌ على عجالة على التاريخ الإنساني كفيلةٌ بأن تُطلعَنا على الوجهِ الحقيقي للإنسان؛ هذا الوجه الذي تُجلِّيه الحروب وما يرافقُها من صنوفِ الإفسادِ في الأرض، كما تُجلِّيه أوقاتُ السلام مشاحناتٍ وصراعاتٍ وتخاصمات. صحيحٌ أنَّ الفارقَ بين الإفسادِ في الأرض وقتَ السِّلم لا سبيل لمضاهاتِه بالإفسادِ وقتَ الحرب، إلا أنَّ القاسمَ المشتركَ بين الحالتَين هو ما ينطوي عليه السلوكُ البشري من استعدادٍ دائمٍ “للاقتتال البَيني” بأيِّ صيغةٍ سمحت بها الظروف. فإذا كان الاقتتالُ وقتَ الحرب بين عدوَّين متمايزَين، هذا من أوليائنا وهذا من أعدائِنا، فإنَّ “التصارعَ البَيني” وقتَ السِلم يتَّخذ له أشكالاً، وساحاتِ تجلٍّ، وتنوعاً مذهلاً في هويةِ “العدو”. ولنا أن نستذكرَ ما يسود المجتمعَ البشري، كائناً ما كان زمانُه أو أفرادُه، من تمظهراتٍ للغِلِّ والحقد والحسد والغيرة والرغبةِ في الثأر والانتقام، وغيرِ ذلك كثير. وكلُّها أمثلةٌ ليس باليسيرِ إحصاؤها وقد تنوعت تجلياتُها وتعددت حتى لَيكادُ المرءُ يعجب كيف تقومُ للمجتمعِ البشري قائمة وأفرادُه تتنازعُهم كلُّ هذه السلوكيات غيرِ السَّوية، والتي ليس هناك أيُّ منفعةٍ تطوريةٍ من ورائها.
لنقارن ذلك بعالَمِ الطبيعة، بحيوانِها ونباتِها، وهو عالَمٌ يميِّزه عن عالَمِ الإنسان تناسقٌ داخلي وانسجامٌ وتناغمٌ لا يصعب على العينِ تبيُّنُ تجلياتِها. فما الذي حدث إذاً فجعل الإنسانَ يشذُّ عن عالَمِ الطبيعة ويخرجُ عليه، وهو الذي يشهدُ نظامُه البايولوجي وتكوينُه الفسيولوجي بسابقِ انتمائه إليه، وبشديدِ تشابهِه مع حيوانِه في البُنيةِ البايولوجية والتركيبةِ الفسيولوجية؟
لابد من القولِ إذاً بأنَّ هنالك “شيئاً ما” قد حدث في مرحلةٍ تطوريةٍ ما حتمت على الإنسانِ وجوبَ الخروجِ على الطبيعة. وهذا الحدث لابد وأن يكونَ “ميتابايولوجياً”، وذلك لعجزِ الأنماطِ البايولوجيةِ التي يعرفُها العِلم عن التعليلِ لهذا الخروجِ على الطبيعة والشذوذِ عن نظامِها التطوري الصارم. فما الذي جعل الإنسانَ ذا نفسٍ تعارضُه في صباحِها ومسائِها؟ وكيف نفهم هذا “التساكن” بين الإنسان وهذه النفس التي لا تكفُّ عن إسماعِه صوتَ اعتراضِها وصراخَ تمنُّعِها وضوضاءَ تمرُّدِها على كلِّ ما تراه يتناقضُ مع “مشروعِها” الخاصِّ بها؟ فكيف أصبح للإنسانِ إرادتان تتنافسان على كيانِه؟ وكيف نفهم هذا التمزُّقَ الداخلي الذي يعذبُه على مدارِ الساعة؟ وأيُّ منفعةٍ تطورية ستعودُ على النوعِ البشري وعلى أفرادِه حتى يسمحَ النظامُ التطوريُّ العام لكلِّ هذا التشظِّي والتشرذم في الإرادة أن يعصفَ بالفرد فيجعلَ له إرادتين متنافرتين عوضَ أن تكونَ له إرادةٌ واحدةٌ موحَّدة؟
إنَّ الأصلَ البايولوجي لهذا التشظِّي في الإرادة بالإمكانِ إرجاعُه إلى تلك “الكوابحِ السلوكية”، التي رسَّختها الطبيعةُ عبرَ ملايين السنين من عملياتٍ تطوريةٍ هادفة، كان المقصودُ من ورائها الحيلولةَ دون أن يُقدِمَ الحيوانُ على فِعلٍ متهور أو أن يسلكَ مسلكاً طائشاً. فلما خرجَ الإنسانُ على الطبيعة أُصيبت تلك الكوابحُ السلوكية بتضرُّرٍ جعلَها تتخذُ لها نظاماً ذاتياً يعارضُ النظامَ الرئيسي، فأصبحت لها بالتالي إرادةٌ حرة مستقلة عن الإرادةِ الأصلية للإنسان. وهنا بدأ الإنسانُ رحلتَه بكيانٍ ذي إرادتَين متنازعتَين، وهنا أيضاً تحول الأصلُ البايولوجي للكوابحِ السلوكية ليتخذَ مساراً “ميتابايولوجياً” كان هو أصلَ النفسِ البشرية.
وهذا لَيتوافقُ تمامَ التوافقِ مع ما جاءنا به القرآنُ من تعريفٍ للإنسان بوصفِه كياناً تتنازعُه إرادتان إحداهما إرادةٌ هي إرادتُه الأصلية التي توارثَها عن ماضيه البايولوجي، والأخرى هي إرادةُ نفسٍ لا تأمرُ إلا بالسوء، نفسٌ لا سبيلَ لقهرِ إرادتِها هذه إلا بأن يفعِّلَ الإنسانُ إرادتَه فيواجهَها ويتصدى لما تأمرُه به من سوء. وهذا أمرٌ لا يقوى عليه إلا مَن جعله تفعيلُه لإرادتِه أهلاً لأن يُعينَه اللهُ على نفسِه هذه فلا يعود بمقدورِها أن تضطرَّه إلى عملِ ما تأمرُه به من سوء. وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) (من 53 يوسف).
أليس في هذا التطابقِ المذهل بين الميتابايولوجيا البشرية، والقرآنِ العظيم، ما يجعلُنا نُقِرُّ بأنَّ هذا القرآنَ لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله؟: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء).
