حين تَواجهَ عالَمُ الأسباب وعالَمُ “كُن فيكون”

تقدِّم لنا قصةُ المواجهة بين النبي موسى وسحرةِ فرعون، كما يقصُّها علينا القرآنُ العظيم، صورةً تكاد أن تكونَ حيةً لتلك المواجهةِ التي يتبيَّنُ لكلِّ مَن يتدبَّرها الفرقَ الوجودي الهائل بين عالَمين تتحكمُ في إحداهما قوى وأسباب، إن كان العِلمُ عاجزاً عن الإحاطةِ بها اليوم فليس هناك ما يحولُ دون أن يتسنى له يوماً أن يحيطَ بها، وبين عالمٍ آخر تسودُه قوةٌ مطلقةٌ واحدةٌ تفعلُ فِعلَها وتُمضي مشيئتَها بلمحِ البصر. ولقد رسمت هذه الصورةَ المتناقضة الآياتُ القرآنيةُ التالية: (وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ. قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ. قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ. فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ. وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (113- 122 الأعراف).
فسحرةُ فرعون الطاغية أدركوا أنهم أمام قوةٍ قاهرةٍ لا قِبلَ لهم بها؛ كيف لا وهذه القوة جعلت عصا موسى تستحيلُ ثعباناً مبيناً في لمحِ البصر؟ فالسحرةُ كانوا أدرى الناسِ بمدى اختلافِ هذه القوة عما كان بمقدورِهم أن يقوموا به. فالثعبانُ المبين، الذي استحالت إليه عصا موسى بلمحِ البصر، كان ثعباناً “حقيقياً” وليس واحداً من “ثعابينِهم” التي لم تكن، في حقيقتِها، إلا صوراً نجحوا في توليدِها في أذهانِ الناس. ولذلك فلقد أيقنَ السحرةُ أنهم أمام جبروتٍ تسيَّدَ المشهد وفرضَ سيطرتَه عليه بالكامل. فإذا كان هذا الجبروت قادراً على أن يحوِّلَ العصا حيةً تسعى، فإنه من بابِ أَولى قادرٌ على أن يجعلَهم حجارةً أو حديداً أو أيَّ كائناتٍ أخرى.
وهنا يتجلى الفرقُ واضحاً بين قوةٍ قائمةٍ بذاتِها، وأخرى لا قيامَ لها إلا بأسبابٍ أخضعَها اللهُ لسلطانِها. فالقوةُ الأولى هي تجلٍّ من تجلياتِ قولِ اللهِ تعالى للشيءِ إذا أراده “كن فيكون”، أما القوةُ الأخرى فهي نتاجُ أسبابٍ تعلمَ السحرةُ كيف يتقنون الاستعانةَ بها.

أضف تعليق