
لم تتشكّل اللسانيات الهندو–أوروبية، في لحظة ظهورها خلال القرن التاسع عشر، بوصفها علمًا خالصًا يبحث في الأصوات والجذور فحسب، بل نشأت داخل سياق سياسي وثقافي مشحون؛ سياقٍ كانت أوروبا فيه في ذروة توسّعها الاستعماري، وكانت فكرة “العرق الآري” تُقدَّم باعتبارها التعبير الأعلى عن التطور البشري. وفي هذا المناخ المليء بادعاءات التفوق، تحوّل الاكتشاف اللغوي المتعلق بوجود تشابهات بين السنسكريتية وبعض اللغات الأوروبية إلى مشروع معرفي أكبر بكثير من حجمه الأصلي، إذ صار التشابه الصوتي ذريعة لابتكار سرديةٍ كاملة عن شعب بدائي واحد، ولغة أم واحدة، وحضارة سابقة تتفرع منها الحضارات الأوروبية اللاحقة.
هذا التحول من التشابه الصوتي إلى “شعب بدائي” يمثل جوهر المعضلة: فليس هناك أي دليل أثري أو تاريخي قاطع يثبت وجود هذا الشعب المتخيل، ومع ذلك جرى التعامل معه كما لو كان حقيقة تاريخية راسخة. وهكذا تحولت إعادة البناء اللغوي—التي هي بطبيعتها افتراض تقريبي—إلى كيان أنثروبولوجي ميتافيزيقي، تُبنى فوقه استنتاجات واسعة تتجاوز بكثير حدود العلم اللغوي.
ويمضي هذا المنهج خطوة أبعد حين يستند إلى منظومة من القواعد الصوتية الافتراضية لبناء جذور وصيغ لم تُكتب قطّ في أي نص تاريخي، ثم يُعاد استخدامها لإثبات صحة تلك القواعد ذاتها. وبهذا تصبح المنهجية دائرة مغلقة يصعب تكذيبها: فإن ظهرت مشكلة قُدمت “لهجة وسيطة” أو “مرحلة صوتية مجهولة” لتصحيح المسار، ما يجعل الإعمار الهندو–أوربي أقرب إلى لعبة تفسيرية تُضاف إليها فرضيات جديدة كلما نشأ تعارض بين النموذج والواقع.
وتتعزز الإشكالية حين يقترن هذا البناء النظري بإقصاء شبه منهجي للعائلات اللغوية الأخرى، وعلى رأسها اللغات السامية. فالتشابهات بين اللغات الأوروبية تُقرأ دائمًا على أنها دليل على “أصل واحد”، بينما تُختزل التشابهات مع السامية إلى “مصادفات صوتية” أو “اقتراضات متأخرة”. وهذه القراءة ليست مجرد خطأ لغوي، بل انعكاس لبنية فكرية رسّخت مركزية أوروبا ونزعت الشرعية عن أي سردية لغوية أو حضارية آتية من خارج الفضاء الأوروبي.
إن الفلسفة الضمنية خلف المنهج الهندو–أوروبي تقوم في جوهرها على تصور يرى العقل الأوروبي امتدادًا مباشرًا لـ”اللغة الأم” المزعومة، وأن تطور الفكر الإنساني بلغ ذروته في الثقافات التي ورثت تلك اللغة. ومن خلال هذا التصور، تُمنح اللغات الأوروبية مكانة ميتافيزيقية، بينما تُعامل اللغات السامية والأفروآسيوية كهوامش تاريخية أو كحاملات لنصوص دينية لا أكثر، لا كبُنى لغوية لها منطقها وعمقها الخاص.
وعلى هذا الأساس، يتحول المنهج اللساني إلى سردية حضارية جاهزة: أوروبا ليست حدثًا طارئًا في التاريخ، بل هي السليل الطبيعي للأصل البدائي الأعلى. ومن هنا يبدو التوسع الاستعماري الأوروبي وكأنه استمرار “طبيعي” لمسار تاريخ لغوي–ثقافي بدأ قبل آلاف السنين مع الشعب الهندو–أوروبي المتخيل.
إن نقد هذا المنهج لا يستهدف إنكار القرابة الفعلية بين عدد من اللغات الأوروبية، ولا يقلل من أهمية القوانين الصوتية بحد ذاتها، بل يدعو إلى إعادة الأمور إلى نصابها: فالإعمار اللغوي أداة بحثية محدودة لا ينبغي أن تتحول إلى فلسفة للتاريخ أو إلى جهاز تبريري يفصل بين “مركز” و”هامش”. كما أن أي قراءة عادلة للتاريخ اللغوي ينبغي أن تفتح باب المقارنة على مصراعيه مع اللغات السامية والأفروآسيوية، لا بوصفها أطرافًا تابعة، بل بوصفها عوالم لغوية متساوية القيمة، تحمل مفاتيحها الخاصة لفهم الإنسان وتاريخه.
