تفكيك التأثيل الهندو–أوروبي وإعادة قراءة خمسة جذور إنجليزية وإيطالية في ضوء المقاربة التأثيلة العربية

لا تزال اللسانيات الهندو–أوروبية، في صورتها السائدة اليوم، تتحرك داخل أفقٍ تأسس في القرن التاسع عشر تحت تأثير مناخ ثقافي وسياسي منحاز، جعل من أوروبا مركزًا للغة والفكر، ومن غيرها هامشًا يُفسّر دائمًا بوصفه تابعًا أو مقترضًا. وقد أدى هذا المناخ إلى بناء منظومة تأثيل افتراضية معقدة تُعيد جذور الكلمات الأوروبية إلى لغة بدائية مزعومة، رغم غياب أي شاهد أثري أو نصي مباشرٍ على وجود تلك اللغة الأم. وهكذا تحوّلت إعادة البناء الصوتي—الذي هو منهج تقريبي في جوهره—إلى بنية شبه أيديولوجية تُقدّم نفسها باعتبارها “الحقيقة التاريخية” التي لا بد أن تخضع لها كلّ المقارنات الأخرى.
هذا النقد العام يتأكد ويتجسد بوضوح عندما نُخضع كلمات أوروبية شائعة للتحليل المقارن الدقيق، إذ نكتشف أن كثيرًا من التأثيلات الهندو–أوروبية المقدَّمة لها ليست أكثر من استنباطات صوتية تخمينية، قابلة للاستبدال بتأثيلات أقوى دلالةً وأشدّ اتساقًا صوتيًا وتاريخيًا، خصوصًا عند إجراء المقارنة مع الجذور العربية القديمة، التي لطالما تجاهلها البحث الغربي رغم كثافة قرائنها.
وفيما يأتي معالجة تفصيلية لخمس كلمات: name، ghetto، some، bit، virgin، تُظهر ضيق الأفق الهندو–أوروبي إذا قُورن بالمقاربة العربية.

الجذر العربي للكلمة الإنكليزية Name
وأصله العربي “اسم” قبل سقوط السين وإبدالها نونًا. تعزو المدرسة الهندو–أوروبية كلمة name إلى الجذر الافتراضي *h₁nómn̥، جذرٌ لم يُكتب قط في أي نص من نصوص العالم القديم، وإنما أعيد بناؤه اعتمادًا على تشابهات صوتية داخل اللغات الأوروبية الحديثة. غير أن تجاهل المقارنة العربية هنا يؤدي إلى قراءة ناقصة؛ ذلك أن الكلمة العربية “اسم” تشكّل معادلًا صوتيًا ودلاليًا مباشرًا لكلمة name.
إذ إن اسم ← asmu / ismu في العربية القديمة يقدّم البنية الأصلية نفسها:

  • صوت الــ /s/
  • صوت الــ /m/
  • الهمزة الساقطة في الإنجليزية (كما تسقط في لهجات عربية قديمة وحديثة)
  • ومعنى “العلامة التي يُعرف بها الشيء” وهو المعنى نفسه الذي تحمله name.
    والتحول من اسم → n-ame ليس غريبًا، فالنون ظهرت في الإنجليزية من خلال عملية أنفية (nasalization) شائعة، بينما سقطت السين الأصلية كما سقطت في العربية في مواضع لهجية كثيرة (أصم ← أطم، أسود ← أود).
    وبذلك تبدو المقارنة العربية أكثر استقامة من الجذر الهندو–أوروبي المُعاد بناؤه.

الجذر العربي للكلمة الايطالية Ghetto
وجذرها العربي “الجادة” ← من “جدَّ” بمعنى قطع واقتطع. تفسّر اللسانيات الأوروبية كلمة ghetto بأنها مشتقة من لهجة فينيسية بمعنى “مصهر الحديد”، مع أن هذا التفسير تعوزه القرائن، ولم يرد عليه أي نص تاريخي صريح. واللافت أن هذا التفسير يتجاهل جذورًا عربية تقدم دلالة صوتية وتاريخية أقرب بكثير.
فكلمة “جادة” في العربية—وهي من الفعل جدَّ بمعنى قطع واقتطع—تشكل بنية صوتية تقابل ghetto بوضوح:

  • الجيم ← g
  • الدال المشددة ← tt
  • الهاء التي ظهرت نطقًا في الإيطالية ← من أثر إدغام أو إمالة صوت الجيم
  • حركة النهاية –o مطابقة لنهايات الإيطالية القياسية.
    ودلالة “الجادة” في العربية هي:
    الجزء المقطوع من الأرض والمخصص لسكنى الناس جماعات.
    وهذا هو عين مفهوم ghetto؛ حيّ مقطوع ومفصول عن باقي المدينة يُحشر فيه سكانٌ محددون.
    كما أن العربية حفظت هذه الدلالة في سلسلة ألفاظ:
    إقطاع، إقطاعية، قطاع، قاطع—وكلها تدور حول “قطع جزء من الأرض وتخصيصه”.
    وعليه، فالأصل العربي “جدَّ / جادة” يقدم تفسيرًا صوتيًا–دلاليًا لا تحتاج معه الكلمة إلى القسر الهندو–أوروبي.

الجذر العربي للكلمة الإنكليزية Some
وأصلها العربي “قِسم” ← من الجذر “قسم” بمعنى جزء. تعيد المدرسة الهندو–أوروبية كلمة some إلى الجذر *somos بمعنى “واحد معيّن”، وهو تفسير دلالي متعسف، لا تشهد له نصوص قديمة، ولا يفسّر التحول من معنى “واحد معيّن” إلى “بعض/جزء”.
أما عند مقارنة الكلمة بالجذر العربي قسم، فإن السياق يتضح مباشرة:

  • قِسم = جزء، حصة، مقدار.
  • الصوت /q/ المخفف يتحول بسهولة إلى /a/ أو يسقط (كما في dialectal Arabic).
  • يبقى س–م سليمان، تمامًا كما في some.
    ويدعم ذلك أن قسم جزء من حقل دلالي واسع من الجذور المتقاربة صوتًا:
    قضم، قصم، قطم، جزم—جميعها تفيد “القطع”، وهي الدلالة ذاتها التي يحملها معنى some: جزءٌ من شيء أكبر.
    إذن فالمقاربة العربية هنا ليست ممكنة فقط، بل منطقية وموثقة وعميقة.

الجذر العربي للكلمة الإنكليزية Bit
وجذرها العربي “بعض” بعد تخفيف العين وتحول الضاد → د → t. تفسّر المدرسة الأوروبية كلمة bit بأنها من bite “يعض”، أي “الشيء المقطوع بالعض”. غير أن هذا التفسير يتكئ على علاقة دلالية عامة دون سند صوتي مباشر. أما عند قراءة الكلمة في ضوء العربية، فإن بعض تقدم مقابلاً صوتيًا مباشرًا:

  • بعض → بعْض → بعْد → bit
    حيث:
  • تخفف العين (كما في معظم اللهجات)
  • الضاد تتحول إلى دال (كما في كثير من البيئات الصوتية)
  • والدال تنقلب تاءً (تحول طبيعي في اللغات الجرمانية).
    ومعنى بعض = جزء صغير من كل
    وهو تمامًا معنى bit في الإنجليزية.
    هذا التطابق الدلالي–الصوتي لا يمكن تفسيره على أنه مصادفة.

الجذر العربي للكلمة الإنكليزية Virgin
وأصلها العربي “فرج” في ضوء قوله تعالى: {الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا}. تفسر اللاتينية كلمة virgo/virgin بأنها تعني “المرأة الشابة غير المتزوجة”، لكنها كلمة غير شفافة اشتقاقيًا حتى داخل اللاتينية نفسها.
أما معناها المتأخر “عذراء” فقد أُلصق بها تطورًا ثقافيًا لاحقًا، ولا أصل له في جذور اللاتينية المعروفة.
لكن عند العودة إلى الجذر العربي ف ر ج، يظهر الارتباط كاملاً:

  • فرج هو الموضع الذي “تُحصنه” المرأة بمعنى العفة.
  • الوصف القرآني: {التي أحصنت فرجها} يقدم دلالة كاملة على العفّة والطهر.
  • وهذا هو معنى virgin تمامًا.
    والبنية الصوتية بين virg- وfarj ليست بعيدة:
  • تبادل الفاء والــv متواتر في اللغات الأوروبية العربية
  • صوت الــr ثابت
  • الجيم العربية تتحول بسهولة إلى g/j الأوروبية.
    وهكذا يتبين أن كلمة virgin ليست فقط قابلة للتفسير في ضوء العربية، بل إن العربية تقدّم أصلها الدلالي الأوضح.
    تظهر الكلمات الخمس—name, ghetto, some, bit, virgin—أن التأثيل الهندو–أوربي يفشل مرارًا عندما يتعلق الأمر بالبحث في الدلالات العميقة والقرائن التاريخية الحقيقية. فالجذور العربية كثيرًا ما تقدم تفسيرًا صوتيًا–دلاليًا أكثر اتساقًا واستقامة من الجذور الهندو–أوروبية التي غالبًا ما تُبنى على افتراضات لا نسخ خطية لها.
    لقد آن الأوان لفكّ اللسانيات التاريخية من مركزيتها الأوروبية، وإعادة النظر في جذور عدد كبير من الألفاظ الأوروبية في ضوء اللغة العربية التي حافظت، عبر بنائها الجذري الصارم، على ذاكرة صوتية ودلالية أقدم بكثير من تلك التي تفترضها المدرسة الهندو–أوروبيّة.

أضف تعليق