
تُعدُّ القراءات المعاصرة للقرآن الكريم،على تنوّعها المنهجي وتشعّب مدارسها، إحدى أكثر الظواهر الفكرية إثارةً للجدل في المشهد المعرفي العربي الحديث. فهذه القراءات، رغم اختلاف مشاربها، تتقاطع عند نقطة منهجية مركزية: الرغبة في إعادة تفسير النص القرآني عبر أدوات معرفية نشأت خارج الفضاء الإسلامي، ومبنية في أصلها على مفاهيم أنثروبولوجية ولسانية وفلسفية ترى النصوص الدينية —جميعها— بوصفها نتاجًا بشريًا خالصًا.
هذه المقالة تروم تقديم نقد موضوعي لهذا الاتجاه، لا على مستوى النوايا أو الأشخاص، بل على مستوى الأسس المعرفية التي قام عليها، والتي كثيرًا ما يتم تجاهلها في النقاش العام.
تعتمد كثير من القراءات الحداثية وما بعد الحداثية للقرآن على أدوات مثل:
• الهرمنيوطيقا الحديثة
• التفكيكية الدريدية
• الفيلولوجيا المقارنة والتناصية
• النقد الثقافي والاستشراق الجديد
• السيميائيات
ورغم أن هذه الأدوات وُلدت في سياقات معرفية غربية لمعالجة مشكلات تخص التراث الغربي نفسه، فإن هذه القراءات تفترض إمكان إسقاطها مباشرة على النص القرآني بدون مساءلة فلسفية لحدود هذه الأدوات ومقدماتها. فأغلب هذه المناهج تنطلق من فرضيات مضمرة، منها:
• مرجعية بشرية مطلقة لكل نص.
• غياب المعنى المتعالي أو الخارج عن النظام اللغوي والتاريخي.
• أولوية القارئ على النص.
• حصر الدلالة في شبكات التناص الإنساني.
وهذه كلها مقدمات لا يمكن تبنّيها منهجيًا إلا بعد نفي الصفة الإلهية عن القرآن، وهذا ما لا تعلنه هذه المناهج صراحة، لكنها تبني عليه كامل جهازها التفسيري.
القضية هنا ليست تقنية بل أنطولوجية.
فالفيلولوجيا التناصية، على سبيل المثال، تفترض بالضرورة أن النص القرآني:
• ابن بيئته التاريخية،
• ابن اللغة والثقافة السائدة،
• امتداد طبيعي للنصوص السابقة عليه،
• نتاج تفاعل بشري لغوي واجتماعي.
وبذلك، يتم التعامل مع القرآن كما يُتعامل مع الإلياذة، أو الأسفار العبرية، أو النصوص البابلية.
أمّا التفكيكية فلا تقرّ بوجود معنى ثابت أو مرجعية خارج النص، بل تعتبر كل معنى، بما في ذلك «الوحي»، تشكُّلًا لغويًا لا مرجعية عليا له. وهنا يبرز التناقض الجوهري: هذه المناهج لا تسعى إلى تفسير القرآن، بل إلى “إعادة صياغته” داخل فضاء نظري لا يعترف ابتداءً بإمكان وجود نص فوق بشري. وبالتالي يصبح النص القرآني، ضمنيًا، نصًا بشريًا، لا ميزة له على غيره من النصوص. في مساءلة الأسس لا في نقد الأشخاص النقد هنا لا يطعن في قيمة هذه المناهج داخل فضائها الأصلي؛ فهي أدوات أنتجت معرفة مهمة بثقافاتها ونصوصها. لكن المشكلة تظهر حين يتم نقلها دون نقد إلى فضاء نص يقوم جوهريًا على ادعاء الاتصال بالوحي. والسؤال الجوهري الذي يتجاهله معظم هؤلاء المفسرين هو: هل يمكن تطبيق منهج ينطلق من فرضية “بشرية النص” على نص يقوم جوهريًا على نفي هذه البشرية؟
الإجابة الموضوعية: لا. لأن هذا يخلق تناقضًا منهجيًا، يجعل نتيجة التفسير محسومة قبل بدايته:
• إذا كان النص بشريًا → فأدوات الحداثة وما بعد الحداثة صالحة.
• إذا كان النص إلهيًا → فلا يمكن إخضاعه لمنهج يساوي بينه وبين غيره من النصوص البشرية. وهذا يطرح سؤالًا أعمق: هل يحق للباحث أن يفرض على النص افتراضًا أنطولوجيًا يناقض هويته الوجودية المعلنة؟
بالمعايير الأكاديمية الصارمة، هذا يُعد خللًا منهجيًا، لا مجرد خيار تأويلي hermeneutic.
تتعامل المقاربات الحداثية مع القرآن كأن:
• المعنى يتحدد فقط عبر «السياق التاريخي»،
• اللغة مرآة لثقافة بشرية محضة،
• ثم تبني أحكامها على هذا الأساس.
لكن هذا يؤدي إلى نتائج خطيرة معرفيًا:
• إلغاء البعد الغيبي للنص تمامًا.
• إخضاع الخطاب القرآني لمنطق العلمنة الأدبية.
• تحويل الوحي إلى ظاهرة لغوية فحسب. وهذا لا يفسر النص، بل يقصيه معرفيًا، بتحويله من خطاب قوامه الإطلاق إلى نص مؤرشف ضمن بنية بشرية مغلقة.
إن مقاربة القرآن بالأدوات الحداثية كما هي دون تعديل يقود بالضرورة إلى واحد من خيارين:
الخيار 1: التعامل مع القرآن كنص بشري
وهنا تنتفي صفته كمصدر للتشريع والهداية.
الخيار 2: الاعتراف بخصوصيته كنص فوق-بشري
وفي هذه الحالة تحتاج الأدوات نفسها إلى إعادة بناء يتناسب مع خاصيته الأنطولوجية. وبذلك يصبح السؤال الحقيقي الذي تهرب منه المقاربات الحداثية هو: هل القرآن نص بشري أم نص فوق-بشري؟ لأن الإجابة على هذا السؤال، وليس المناهج، هي ما يحدد إمكان استخدام هذه الأدوات أو استحالتها.
إن النقد الموضوعي لا يهدف إلى رفض الحداثة أو التقوقع في التراث؛ بل يدعو إلى:
• تحرير أدوات التفسير من التبعية للمناهج الغربية.
• استيعاب المناهج الحديثة بعد تفكيك أسسها الفلسفية أولًا.
• تأسيس منهج تأولي (hermeneutic) جديد ينطلق من خصوصية القرآن نفسه، وليس من فرضيات خارجية مفروضة عليه. فالقرآن، في تصوره الذاتي، ليس نصًا من النصوص، بل خطابًا يتجاوز مستوى «النصوص البشرية». وكل مقاربة لا تبدأ من هذه الحقيقة الأنطولوجية ستقع، بالضرورة، في تناقض بنيوي يجعل نتائجها محكومة بالفشل المعرفي قبل أن تبدأ.
