قراءة في تقاطع البيولوجيا التطورية والخطاب القرآني

تُعدّ النفس البشرية، بما تنطوي عليه من ازدواج الإرادة، واحدة من أكثر الإشكاليات استعصاءً على التفسير البايولوجي الخالص. فالإنسان، على الرغم من تشاركِه مع الحيوان في تاريخٍ تطوري طويل وفي بُنيةٍ فسيولوجية مشتركة، يمتلك سلوكاً شديد الخصوصية يتميز بقدرةٍ على إحداث الإفساد، لا في حالات الصراع الوجودي فقط (الحروب)، بل حتى في أوقات السلم عبر مشاعر الغِلّ والحسد والانتقام والرغبة في الإضرار بالآخر.
هذه السلوكيات لا تُفسَّر وفق النموذج التطوري التقليدي القائم على المنفعة البيولوجية، لأنها سلوكيات لا تكافئها أي فائدة تطورية مباشرة، بل قد تكون معيقة للبقاء. وهنا يبرز سؤالٌ جوهري: ما الذي حدث في المسار الإنساني فجعله يشذ عن النظام التطوري العام للطبيعة؟
هذه المقالة تفترض أن ما حدث كان “تحوّلاً ميتابايولوجياً”، أي انتقالاً من مستوى التطور البايولوجي إلى مستوى ما بعد-بايولوجي أحدث انقساماً إرادياً داخل الكيان الإنساني. وتجادل المقالة بأن هذا التحول ينتظم مع ما يقدّمه القرآن من تصور للنفس بوصفها “أمّارة بالسوء”، إرادة ثانية تقف على الضد من إرادة الإنسان الأصلية.
إن الاستقراء التاريخي يكشف أن الإنسان:
• يخوض الحروب باستمرار
• يمارس الإفساد المنظّم وغير المنظّم
• يميل إلى العنف والانتقام حتى عند غياب الضرورات الوجودية
• تتنازعه مشاعر الحسد والغيرة والضغينة
• ينزع إلى الهيمنة والسيطرة على من حوله
هذه السلوكيات ليست عَرَضية أو خاصة بثقافة أو حضارة، بل هي سلوكيات مشتركة بين البشر عبر الزمان والمكان.
في المقابل، يتصف عالم الحيوان بـ:
• انسجام داخلي عجيب
• تجانس في السلوك مرتبط باستراتيجيات البقاء
• منظومات ضبط فطرية تمنع السلوك المتهور
• غياب “العدوان غير الضروري”
علم السلوك الحيواني (Ethology) يثبت أن آليات الكبح السلوكي لدى الحيوان مستقرّة وذات وظيفة تطورية واضحة.
وهنا يبرز السؤال المنطقي التالي: إذا كان الإنسان جزءاً من هذا النظام التطوري، فلماذا يشذّ عنه سلوكياً؟ والجواب على هذا السؤال يتطلب فرضية إضافية، تتجاوز الشروح التطورية التقليدية. وهذه الفرضية الاضافية تقتضي منا وجوب ان نستعين بما يُعرَف ب “الكوابح السلوكية”. وهذه الكوابح تضرب بجذورها التطورية عميقاً في الزمان وصولاً الى ماضينا الحيواني السحيق. وبإمكاننا ان نُعرّف هذه الكوابح السلوكية بأنها: “آليات بيولوجية-عصبية تمنع الكائن من السلوك الخطر، والمتطرف، وغير المتناسق مع شروط البقاء.” هذه الكوابح تطورت عبر ملايين السنين تحت ضغط الانتقاء الطبيعي.
في الحيوانات الاجتماعية (مثل الذئاب، الشمبانزي، الدلافين)، تعمل هذه الكوابح على:
• كبح العدوان الداخلي
• تنظيم التسلسل الهرمي
• حماية الجماعة من التفكك
• ضبط الانفعالات
تفترض هذه المقالة أن الإنسان، في مرحلة تطورية ما، خرج على النظام السلوكي الأصلي للطبيعة.
وكان لهذا الخروج تأثير عميق:
• أصاب الكوابح السلوكية باضطراب
• جعلها تعمل خارج إطارها الأصلي
• فتح الباب أمام ظهور إرادة ثانية ذات اتجاه مخالف
هذا ما تُسمّيه المقالة بداية التحول الميتابايولوجي؛ مصطلح “الميتابايولوجيا” هنا لا يستخدم بمعناه الفلسفي العام، بل بمعناه التحليلي الخاص:
الميتابايولوجيا: انتقال صيرورات الحيوية من مستوى الضبط البايولوجي الغريزي إلى مستوى إرادي-نفسي متجاوز لا يخضع للمنفعة التطورية ولا للبنية العصبية وحدها.
ليس المقصود “الخارق للبيولوجيا”، بل:
• ما بعد البايولوجيا
• خارج أفق المنفعة التطورية
• مستقل نسبياً عن الضوابط الحيوانية
عندما تعطّلت الكوابح السلوكية، لم تُلغَ، بل انفصلت إرادياً وتشكّلت ككيان مستقل بالتدريج فصار لها “مشروع” مختلف عن مشروع الإنسان البيولوجي. وهنا نشأت النفس بوصفها إرادة ثانية متنازعة مع الإرادة الأصلية.
علم الأعصاب الحديث يبين وجود:
• نظام شبقي/رغبوي: dopamine system
• نظام ضبط/كبح: prefrontal cortex
في الإنسان يظهر خلل في التوازن بينهما أكثر مما يظهر في الحيوان.
بعض علماء الأعصاب يصفون هذا التنازع بـ:
• مراقبة التضارب (التعارض) conflict monitoring
• الكبح التكيفي (adaptive inhibition)
• نموذج المعالجة التصارعية (dual-processing models)
لكن هذه النماذج لا تفسر لماذا يصبح هذا الصراع وجودياً، ولا لماذا يبلغ حدّ الانقسام الإرادي، ولا لماذا يتشظّى الإنسان بين “أنا” و“أنا أخرى”.
هنا تتفوق الأطروحة الميتابايولوجية لأنها تتعامل مع الظاهرة بوصفها بناءً تطورياً انقلب إلى بناء فوق-تطوري.
والآن لنتدبر جانباً من المقاربة القرآنية للنفس البشرية. فالقرآن يصف النفس بهذه الصفة الفريدة: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) (يوسف 53)
هذه ليست غريزة، أو هوى عابر، أو ميل نفسي طارئ، بل إرادة كاملة ذات مشروع مستقل. فالنص القرآني يقدّم الإنسان بوصفه كائناً ذا إرادة أصلية (بشرية)، يحمل إرادة أخرى (نفسية). وهذا يفسّر الصراع الداخلي والتمزق الوجودي والعجز عن الثبات والحاجة إلى مجاهدة النفس وضرورة العون الإلهي. ويمكن تلخيص التطابق في النقاط الآتية:
• الانقسام الإرادي
ما نرصده في السلوك الإنساني يوافق الوصف القرآني للنفس.
• عدم خضوع النفس لقانون المنفعة التطورية
النفس تأمر بما لا منفعة فيه — وهذا ما لا تُفسّره البيولوجيا.
• الحاجة إلى الضبط الواعي والمجاهدة
الإنسان يحتاج مجاهدة مستمرة — وهذا لا يُرى في الحيوان.
• اعتبار النفس كياناً مستقلاً
القرآن يتعامل معها ككيان ذي إرادية مستقلة مما يتطابق مع تحليل “الكابح المنفصل”.
• عدم الاختلاف الداخلي في القرآن
(وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)
إثبات أن التصور القرآني للنفس مُحكم وقابل للمطابقة السلوكية.
تقدم هذه المقالة أطروحة ميتابايولوجية جديدة ترى أن الكوابح السلوكية التي طورتها الطبيعة تعطّلت عندما خرج الإنسان على نسق الطبيعة، فتحوّلت إلى إرادة منفصلة، فشكّلت أصل النفس الأمّارة بالسوء، وهي الإرادة التي يصفها القرآن بدقة وبنية متماسكة لا نجد لها نظيراً في أي كتاب آخر. وبذلك يصبح القرآن منسجماً مع معطيات علم الأعصاب، سابقاً العلم في تشخيص أصل الانشطار الإرادي، ومقدّماً تفسيراً متماسكاً للإنسان، ومبرهناً على أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عند غير الله.

أضف تعليق