
ما الذي يجعل الإنسان مختلفاً كل هذا الاختلاف عن الحيوان؟ وما الذي يجعل سلوكه، على الرغم من اشتراكه معه في ماضٍ تطوري طويل، سلوكاً حافلاً بالتناقضات والصراعات والإفساد؟ ولماذا يحمل الإنسان في داخله صوتين، إرادتين، نزوعين متعارضين؟
هذه الأسئلة ليست فلسفية فحسب، وليست دينية فحسب، بل هي أسئلة فيها شيءٌ من البيولوجيا، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، وعلم الأعصاب في الوقت ذاته. سأقدم اليوم أطروحة جديدة: وهي أن النفس البشرية لم تنشأ بالمعنى البايولوجي الخالص، بل نشأت نتيجة حدثٍ ميتابايولوجي، حدثٍ تجاوز حدود التطور الحيواني وأنتج الكيان الأكثر تعقيداً في الوجود: الإنسان ذا الإرادتين.
دعونا ننظر سريعاً في سلوك الإنسان:
حروب لا تتوقف، ورغبة في السيطرة، وحسد، وغلّ، وكراهية، ورغبة في الانتقام، وقدرة على الإفساد حتى في أوقات السلم، وصراعات داخلية لا تهدأ. والأهم من ذلك هو الحقيقة التي مفادها أن هذه الصفات ليست طارئة ولا مرتبطة بزمن معين ولا بحضارة معينة. بل هي جزء من “البنية الداخلية” للإنسان. في المقابل، للننظر إلى عالم الحيوان ففيه الانسجام، والوضوح في الدوافع، والسلوك المحكوم بالضرورة، وغياب “العدوان غير المبرر”، وكوابح سلوكية قوية ومتجذّرة. هنا يبرز السؤال المحوري: إذا كان الإنسان امتداداً للطبيعة، فلماذا لا يخضع لقوانينها السلوكية؟ تُظهر لنا البايولوجيا التطورية أن الحيوان يمتلك ما يسمّى ب “الكوابح السلوكية”. وهي آليات عصبية/غريزية تمنع الحيوان من السلوك الطائش الذي يهدد بقاءه. هذه الكوابح تعمل بدقة هائلة. فهي تمنع الذئب من قتل أفراد قطيعه، وتمنع الشمبانزي من العدوان بلا سبب، وتضبط التسلسل الهرمي، وتجعل السلوك محكوماً بمنطق البقاء. ولكن ماذا حدث للإنسان؟ الأدلة تشير إلى أن الإنسان خرج من “النظام الطبيعي” الذي كانت تعمل فيه هذه الكوابح. وعند هذا الخروج أصيبت الكوابح بخلل جوهري؛ إذ لم تعد تعمل بوظيفتها الأصلية وصارت تعمل ضد النظام التطوري، فتحوّلت شيئاً فشيئاً إلى إرادة ثانية… إرادة منفصلة.وهنا تبدأ الميتابايولوجيا. وهذه الميتابايولوجيا ليست غيبية، ولا فوق طبيعية. إنها بكل بساطة: تحوّل آليات بايولوجية خالصة إلى إرادة واعية متجاوزة لمنطق البقاء.
بمعنى: فما كان وظيفة غريزية في الحيوان
أصبح “صوتاً” واعياً في الإنسان، صوتاً له هدفه، ورغبته، ومشروعه، رغم أنه لا يتفق مع مصلحة الإنسان. إنها لحظة انقسام الإرادة. فالإنسان لم يعد خاضعاً لإرادة واحدة، بل أصبح يحمل إرادتين: إرادته الأصلية (البشرية)، وإرادة النفس (الموروثة من الكوابح السلوكية المعطوبة). تقدم لنا علوم الأعصاب الحديثة مقاربةً تزعم أن بمقدورها تفسير هذا الذي حدث في ماضي الإنسان التطوري فجعله يتصرف كما لو انه كيانٌ ذو إرادتين مستقلتين. ولكن هذه المقاربة لا تفسر ما يلي: لماذا يتحوّل الصراع الداخلي إلى أزمة وجودية؟ لماذا يفعل الإنسان ما قد يدمّره؟ لماذا تتصرف النفس ضد المنفعة التطورية والمنطق العصبي؟. أما الميتابايولوجيا فإنها تقدّم تفسيراً مفاده أن الإرادة الثانية ليست امتداداً للدماغ فحسب، بل هي نتاج تحوّل طويل خرج على “نظام الطبيعة”.
لنتدبر الآن ما يقوله القرآن العظيم عن النفس والتفسير الميتابايولوجي لماضيها التطوري. فنحن نقرأ في سورة يوسف، وفي الاية الكريمة 53 منها، قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. إن هذا النص الكريم لا يصف: هوى، أو رغبة وقتية، أوانفعالاً عابراً. بل يصف إرادة كاملة، إرادة لها مشروعها. ويؤكد القرآن أن الإنسان يُبتلى بهذه النفس، وأنها تُجادله، وتعارضه، وتستدرجه، وتأمره، وتفرض عليه صراعاً مستمراً. وهذا تماماً هو ما يصفه علم النفس التطوري وعلم الأعصاب اليوم… ولكن دون أن يستطيع تفسيره تفسيراً جذرياً.
نخلص من هذا إلى نقاط تطابق مذهلة:
1) القرآن يصف انقسام الإرادة، والبيولوجيا تشهد على وجوده.
2) القرآن يكشف أن النفس تعمل ضد مصلحة الإنسان، وهذا تحدٍّ للتطور.
3) القرآن يبيّن أن مواجهة النفس تحتاج العون الإلهي، وهذا يتطابق مع عجز الإنسان العصبي.
4) القرآن يقدّم نموذجاً تفسيرياً متماسكاً لا تناقض فيه، يسبق العلم.
ومن هنا يتجلّى قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ النساء 82.
إن التأمل في أصل النفس يكشف لنا أن الإنسان ليس مجرد امتداد طبيعي للحيوان، وليس مجرد نتاج تطور بيولوجي خالص، بل هو كيان يتجاوز الطبيعة ويتجاوز قوانينها. وفي هذا التجاوز نفسه، تكمن حقيقة النفس، وحقيقة الصراع الداخلي، وحقيقة أن الإنسان مدعوّ إلى مجاهدة هذا الكيان الداخلي الذي يرافقه على الدوام. وحين نرى هذا التطابق المذهل بين: الميتابايولوجيا، وعلم الأعصاب والسلوك، والقرآن الكريم، فإننا نجد أنفسنا أمام دليل عقلي عميق على أن هذا الكتاب ليس من صنع البشر.
