
كيف نقرأ القرآن؟ وبأي مناهج؟ وتحت أي افتراضات فلسفية؟ وما الذي يحدث عندما نُخضع كتاب الله لمناهج صيغت أصلاً للتعامل مع النصوص البشرية؟. إن المقاربات الحداثية للنصوص القرآنية ليست مجرد “أدوات تحليل” ولا “مقترحات تأويلية”؛ بل هي، في حقيقتها، مشاريع فلسفية كاملة تقف على منظومات معرفية غربية محددة، لا تعترف بالوحي، ولا بالغيب، ولا بأن النص يمكن أن يكون ذا طبيعة ربانية. ومن هنا تبدأ الإشكالية التي سنناقشها في هذه المقالة.
إن طبيعة الإشكال، ما الذي تفعله الحداثة بالنص قبل أن تشرع في تفسيره؟ قبل أن يمسك الحداثي بقلمه، وقبل أن يفتح المصحف، تكون المعركة قد حُسمت من الناحية الفلسفية… لماذا؟ لأن المنهج الحداثي، بكل تنويعاته: الهرمنيوطيقي، التفكيكي، البنيوي، التاريخاني، يقوم على افتراض واحد لا يتزحزح: كل نص هو نص بشري، وكل معنى هو نتاج ثقافة وتاريخ وسياق بشري. وحين يضع الحداثي القرآن في سلّة واحدة مع النصوص البشرية، فهو لا يفسّر القرآن. بل يحاكم القرآن من منظور فلسفتِه قبل أن يبدأ في أي تحليل.
إن هذه المناهج تقول مسبقًا: لا غيب، لا وحي، لا معجزة، لا قصد إلهي، لا مرجعية فوق بشرية. إذن نحن، قبل أن نبدأ، أمام تفريغ كامل لطبيعة النص.
لنستطيع فهم كيف تتعامل هذه المناهج مع القرآن، ينبغي أن نفهم خلفيتها الفلسفية.
فالحداثة الغربية تقوم على ثلاثة ركائز كبرى:
- المادية الأنطولوجية
الواقع عند الحداثة محصور في المادة والتجربة الحسية. وبالتالي، الوحي “مستحيل” أو “لا يمكن التحقق منه علمياً”. - الإنسانوية المركزية
الإنسان هو مركز الحقيقة، وهو منتج المعنى. لا مكان إذاً لخطاب فوق بشري. - التاريخانية
كل شيء، بما فيه الدين واللغة، هو ابن لحظته وسياقه. فلا وجود لكلام يتجاوز الزمان والمكان.
بهذه الخلفية، فإن القرآن، قبل التحليل، يصبح وثيقة تاريخية بشرية وليس كلام الله. هنا نصل إلى إحدى أكبر الإشكالات الفلسفية: الحداثيون يستخدمون منهجًا مادياً لتحليل نصٍّ غير مادي، ومنهجًا تاريخياً لتفسير نصٍّ يقدّم نفسه كمتعالٍ على التاريخ، ومنهجًا لغويًا بشريًا لقياس نصٍّ لا يخضع للبنية البشرية للغة. فالوحي، في الرؤية القرآنية، ليس حدثاً لغوياً فقط؛
إنه خطاب رباني ذو بعد غيبي، مقصوده الهداية، ووعد ووعيد. أما الحداثة فتنزع عنه هذه الأبعاد كلها، ثم تقول: “دعونا ندرسه باعتباره نصاً مثل غيره”. وبهذا يفشل المنهج قبل أن يبدأ.
بعض الحداثيين يقول: “نحن لا نهاجم القرآن، نحن فقط نحرره من القداسة كي نقرأه قراءة موضوعية”. لكن أي موضوعية هذه التي تبدأ بإزالة طبيعة النص نفسه؟ إن تحرير النص من قدسيته ليس تحريراً، بل تحويلٌ له إلى شيء آخر. يشبه ذلك محاولة عالِم أحياء دراسة الوعي باعتباره “تفاعلاً كيميائياً فقط”. سينتهي إلى شيء لكن بالتأكيد ليس الوعي كما نعرفه. وكذلك الحداثة ستنتهي إلى شيء لكن بالتأكيد ليس القرآن كما هو في ذاته.
ليس كل ما أنتجته الحداثة مرفوضًا. فاللسانيات الحديثة، والبلاغيات، وتحليل الخطاب، وأدوات المحاججة، كلّها أدوات مفيدة. لكن الكارثة تقع حين نتعامل مع الأداة وكأنها فلسفة. أو حين نأخذ الأسلوب وننسى الإطار الفلسفي الذي حكمه. إذاً القاعدة الحاكمة: يجوز أن نستفيد من أدوات الحداثة، ولا يجوز أن نخضع لفرضياتها الفلسفية. فالأداة تُنقِذ؛ أما الفلسفة فتستبدل القرآن بمنهج غربي مغلق.
النص القرآني لا يقبل أن يُقرأ خارج أفقه لأنه يقدّم نفسه بصفات لا يملكها أي نص بشري: هداية، بيان، شفاء، نور، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذا التعريف يجعل التعامل مع النص القرآني، باعتباره “وثيقة بشرية”، ينطوي على تغافل عن حقيقته قبل تفسيره. إن القراءة الصحيحة للقرآن يجب أن تنطلق من الداخل لا من الخارج. البديل ليس رفض الحداثة، بل إعادة ترتيب العلاقة بين النص والمنهج.
يقوم المنهج الأصيل على خمسة أعمدة:
التدبر الداخلي فالقرآن يفسّر بعضه بعضًا، والعقل البرهاني فالعقل شرط للفهم وليس حَكَماً على الوحي، المقاصد الإلهية فالخطاب القرآني لا يمكن فهمه دون غايته، والبنية الخطابية الربانية فالقرآن ليس أدباً بشرياً ليُقاس على الأدب؛ فالحضور الغيبي للقرآن تقف الحداثة عاجزة أمامه. هذا المنهج لا يهجر القرآن لأجل الحداثة، ولا يعزل نفسه عن التطور المعرفي، بل يوازن بين الاثنين.
إن المقاربات الحداثية للنص القرآني ليست مجرد مقترحات تفسيرية، وإنما هي، في حقيقة أمرها، تحدٍ فلسفي يسعى لصياغة تفسير للقرآن داخل أفق لا يتسع إلا لما هو بشري. وليس المطلوب تكفير هذه المناهج أو رفضها بصورة كلية، بل المطلوب الوعي بخلفياتها، وبحدودها، وبفلسفتها، وبما تفعله بالنص قبل أن تبدأ في “قراءته”.
وعندما ندرك هذه الحقائق، ندرك أن الطريق الأمثل في التعامل معها هو ليس الخضوع ولا القطيعة، بل التجاوز الذكي، ناخذ من أدواتها ما نريد، ونترك فلسفتها حيث وُلدت، ونبقي القرآن في مقامه الرباني الذي لا يعلوه منهج ولا فلسفة.
