منهجي في مقاربة المعجزات باعتبارها ظواهر غير سببية

تشكلّ قصة المواجهة بين النبي موسى وسحرة فرعون، كما يعرضها القرآن الكريم، نقطة تقاطع مركزية مع عددٍ من المقاربات الفلسفية التي تناولتُها في أعمالي السابقة؛ مقارباتٍ تجتمع كلّها حول ضرورة التمييز بين نظامين وجوديّين: النظام الطبيعي القائم على السببية، والنظام الإلهي القائم على الإرادة المباشرة. ويأتي هذا المشهد القرآني ليؤكّد، مرةً أخرى، تلك الفكرة المحورية التي ظهرت في مقالاتي حول: استحالة تفسير المعجزة بقوانين العلم؛
وجوب التمييز بين “الكون الطبيعي” و“التصرّف الإلهي”؛ وأن علاقة الله بالكون ليست علاقة قوّة ضمن منظومة، بل علاقة سيادة مطلقة على كل منظومة.
في مقاربتي السابقة حول استحالة تفسير أحداث نهاية الكون بالفيزياء، كنتُ قد بيّنت أن: القوانين التي يعمل بها الكون اليوم ليست هي القوانين التي تعمل حين يقرّر الله تعليقها وإظهار نظام «كن فيكون». وهذا المفهوم نفسه يظهر بوضوح في قصة النبي موسى والسحرة: فحين استحالَت العصا ثعبانًا مبينًا، لم تُكسر قوانين الطبيعة فحسب، بل أُلغي عملها بالكامل في تلك اللحظة. ما فعله النبي موسى ليس امتدادًا لـ«السحر»، ولا “نسخة أقوى” منه، بل خروجًا تامًّا من عالم الأسباب. وهذا عين ما كنت قد شدّدتُ عليه: أن المعجزة ليست “ظاهرة نادرة” ضمن قوانين الطبيعة، بل إلغاء مؤقت لقوانين الطبيعة نفسها.
في مقالاتي السابقة التي ناقشتُ فيها:
أصل السحر، وفلسفة المعجزة، والتفكيك القرآني لفكرة الخوارق البشرية، بيّنتُ أن السحر، في جوهره، فعل سببي، وأن السحرة خبراء في توظيف جهاز الإدراك لإنتاج الوهم. قصة النبي موسى والسحرة تقدّم البرهان الحي على هذا النموذج التفسيري؛ حيث يصف القرآن فعل السحرة بدقة: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ)، أي غيّروا الإدراك لا الواقع. وهذه القراءة تنسجم تمامًا مع مقالتي بأن السحر لا يملك قوةً وجودية، وأنه يتحرك داخل عالم الأسباب، وأنه لا يمكنه اختراق بنية الأشياء، بل فقط اختراق وعي المشاهد. وعليه، يصبح انقلاب العصا إلى ثعبان نقضًا لمنطق السحر لا “منافسة” له.
في أكثر من موضع، كنتُ قد أوضحت أن:
المعجزة ليست إعلانًا عن قوة، بل إعلانًا عن مصدر القوة. أي إنها كشف عن حدود العقل الإنساني، وعن فساد الاعتقاد القائل بأن كل ظاهرة يمكن فهمها ضمن “نظام الطبيعة”. وقد وظّفتُ هذا المنهج في نقد:
المقاربات التفسيرية الحداثية، والمدارس التفكيكية، ومحاولات قراءة القرآن كـ«نص بشري». المشهد القرآني هنا يحمل المعنى نفسه: فالسحرة، أصحاب الاختصاص، يخرون ساجدين لا خوفًا من ثعبان، بل إدراكًا لمعنى التعليق الوجودي للأسباب.
لقد شهدوا لحظة خروج الفعل من “نظام الطبيعة” إلى “نظام الإرادة المباشرة”، وهذه اللحظة هي “البرهان” الذي تكرر حضوره في مقارباتي.
لقد شددت في كثير من مقالاتي على أن الظاهرة الطبيعية تخضع لقوانين يمكن، مبدئيًا، دراستها. أما المعجزة فهي فعل لا يخضع لأي منطق سببي، وهي ليست “حدثًا طبيعيًا”، بل “اقتحامًا إلهيًا للتاريخ”. هذا التمييز يظهر بأبلغ صورة في قول الله تعالى: (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
فـ “الحق” يغلب “السحر” ويُبطل ماهيته نفسها. وهذا ينسجم مع رؤيتي التي تضع الأساس الأنطولوجي التالي:
المعجزة ليست منافسة للسبب، بل نفيٌ لفاعليته. وهذا هو قلب المشروع الفكري الذي تبنيه: تحرير مفهوم المعجزة من التصورات الأسطورية والميكانيكية، وإعادته إلى أفقه الوجودي الأصلي.
في مقالاتي حول: عقلنة الغيب، ومحاولات العلم لتفسير كل شيء، واستحالة تقليص الإلهي إلى الطبيعي، وخطأ ربط الظواهر الإلهية بقوانين فيزيائية، بيّنتُ أن العقل البشري، حين يُصرّ على إخضاع الغيب لمنطق العلم، فإنه إنما يقع في مغالطة منهجية: إذ يفرض أدواته على مجال لا تنطبق عليه أدواته. وقصة النبي موسى والسحرة تؤكّد هذا المبدأ؛ لأنها تُظهر لحظةً يُجبَر فيها العقل على الاعتراف بحدوده، ويُرغم فيها أصحاب الخبرة على الاستسلام لحقيقة لا تنتمي إلى مجال معرفتهم. وهذا بالضبط ما طرحته في مقاربتي عن “إلغاء النظام الكوني عند لحظة القيامة”، فلا يمكن تفسير أفعال “كن فيكون” بقوانين الأشياء التي أمرها الله أن تعمل ثم أمرها أن تتوقف.
عند جمع هذا النص مع مقارباتي السابقة يتشكّل إطار نظري موحّد يقوم على ثلاثة مرتكزات:
• التفريق البنيوي بين نظام الأسباب ونظام الإرادة الإلهية المباشرة.
• استحالة تفسير المعجزة أو الآيات الغيبية بقوانين الطبيعة.
• ضرورة قراءة القرآن بوصفه كتابًا يقدّم رؤية وجودية للصلة بين الطبيعة والإرادة الإلهية، لا مجرد رواية تاريخية أو ميتافيزيقية.
وبهذا الربط، يصبح المشهد القرآني للمواجهة بين النبي موسى والسحرة تجليًا تطبيقيًا لمجمل الأطروحة الفلسفية التي صغتُ معالمها في كثيرٍ من أعمالي:
أطروحة تُعيد للعالَمَيْن، عالم الأسباب وعالم «كن فيكون»، تمايزهما الذي غيّبه التأويل المعاصر.

أضف تعليق