
من بين أعجب الظواهر التي تميّز الإنسان عن سائر الكائنات الحيّة ظاهرةٌ لا سبيل لردّها بسهولة إلى التطوّر البيولوجي الخالص: تضخّم الذات. فالحيوان تحرّكه غريزةُ البقاء، ويتصرّف بما يضمن سلامته واستمرار النوع. أمّا الإنسان، فقد تجاوز حدود الغريزة، وخرج من النظام الحيواني خروجاً كبيراً إلى حدّ بلغ فيه حبّ الذات أشبه بالعبادة. كيف ظهر هذا الانحراف؟ وما الذي حدث في ماضي الإنسان التطوري ليحوّله من كائنٍ تعمل أنظمته لصالح النوع إلى كائنٍ مهووسٍ بـ “أنا” متضخّمة، تتعالى على النصيحة وترفض الاعتراف بالخطأ؟
هذه المقالة تحاول تقديم مقاربة عقلانية-تحليلية لهذا السؤال، وبيان لماذا يقف هذا التضخّم شاهداً على أن الإنسان ليس مجرّد “استمرارٍ طبيعيّ” للحيوان، بل كائنٌ ذو طبقة نفسية متجاوزة للطبيعة ذاتها.
تقوم الحياة في عالم الحيوان على معادلة بسيطة وواضحة: البقاء الشخصي، خدمة النوع، الانسجام التام بين المصلحتين. فالحيوان لا يمتلك ذاتاً متضخّمة ولا صورة متوهَّمة عن نفسه، فهو لا يثور إن انتُقد، ولا يغضب إن مُنع، ولا يعترض إن خضع، ولا يتباهى إن شُكر. يحيا وفق منظومة طبيعية متكاملة، يخدم ذاته ليخدم النوع، ويخدم النوع ليضمن بقاء ذاته. ومن هنا يتبيّن أن الأنانية الحيوانية ليست مرضاً بل آلية حياة. أما مع الإنسان ظهر شيء غير مسبوق: ذاتٌ لا تشبع، تتضخم على الدوام، وتطالب بالسيادة على كل شيء؛ على الآخرين، وعلى الأخلاق، وعلى الحقيقة نفسها. وهنا حدث الانشقاق:
فالإنسان: يريد البقاء، لكنّه يريد أيضاً التميّز على أبناء نوعه، ويرغب في الأمن، لكنه يرفض أي نصيحة تعينه على تحقيق هذا الأمن، ويريد النجاة، لكنه يعصي أولي الرأي والخبرة الذين يشيرون عليه بما يقيه الهلاك. هذه ليست “غريزة”، إنها طبقة نفسية فوق-غريزية، لا دليل على نشوئها من الانتخاب الطبيعي. بل إن هذا التضخّم يصل إلى مستوى يجعل الإنسان: لا يعترف بخطئه، ولا يسمح لأحد أن يشير عليه بخطأ، ولا يطيق أن يكون مخطئاً أمام نفسه. أي منفعة تطورية يمكن أن تُفسِّر هذا؟ الجواب: لا شيء في البيولوجيا يفسّر هذا الانقلاب.
تُرجع الداروينية صفات الكائن الحي إلى فائدتها في البقاء. لكن: رفض النصيحة يقلّل فرص البقاء، والغرور يعرّض الكائن للأخطاء القاتلة، والتوهّم بالعظمة يقود إلى قرارات مدمّرة، وإغلاق الأذن أمام الخبراء يهدد أمن الجماعة، والتمرّد على الأنبياء يحرم الإنسان من الإرشاد المصيري لبقائه الأخلاقي. فكيف تكون هذه الصفات منتقاةً طبيعياً؟ إنها نقيض المنفعة التطورية تماماً. ولو كان الإنسان استمراراً محضاً للحيوان، لكان ينبغي أن يحتفظ بذلك الانسجام الحيواني العجيب بين مصلحة الذات و سلامة النوع. لكن ما يحدث هو العكس تماماً: الإنسان يتصرّف أحياناً ضد ذاته، وضد نوعه، وضد مستقبله. وهذا يجعل تضخّم الذات علامة على خروج الإنسان من النسق الحيواني، لا على امتداده له.
يقدّم القرآن وصفاً دقيقاً لهذه الظاهرة:
الإنسان لا يريد أن يُقال له إنه مخطئ حتى لو كان المصلحون أنبياء. ولهذا: اتُّهم الأنبياء بأنهم سحرة أو كاذبون أو مجانين أو شعراء أو كهنة. ليس لأن حججهم ضعيفة؛ بل لأن نفس الإنسان المتضخمة ترفض الاعتراف بأنها تحتاج إلى تقويم. وهذا أوضح دليل على أن ما يتحكّم بالإنسان ليس “غريزة بقاء” بل طبقة نفسية فوق-بيولوجية تعيق البقاء وتمنع التصحيح. فالأنبياء لم يُتَّهَموا لأن رسالاتهم مشكلة. بل لأن النفس البشرية لا تحتمل أن تُقاد إلا بنفسها.
إذا فكرنا بمنطق التطور: فالحيوان يستفيد من الإنذار، ويستفيد من خبرة الجماعة، ويستفيد من تحذير القائد. لكن الإنسان: لا يستفيد من النصيحة ويعتبر النقد تهديداً لذاته ويتصرّف كما لو أن “الأنا” أهم من البقاء نفسه. هذه النقطة تكشف المفارقة الكبرى: الإنسان لا يتصرّف كما لو كان كائناً بيولوجياً فقط، بل كما لو كان كياناً ذاتياً فوق-بيولوجي. فكيف نفسّر ذلك؟ التطور لا يقدّم تفسيراً. الفيزيولوجيا تشهد بالتماثل بين الإنسان والحيوان، لكن النفس تشهد بانفصال هائل عنه. فالبيولوجيا والفسيولوجيا تقرّ بتشابه تكوين الإنسان والحيوان، بل وتماثله أحياناً في الجهاز العصبي والجهاز الهرموني والآليات السلوكية الأساسية. لكن هناك طبقة لا تفسير لها بيولوجياً: الوعي الأخلاقي وتضخّم الذات ورفض الاعتراف بالخطأ والتمرد على الهداية والقدرة على تدمير الذات والنوع. ولذلك يصبح السؤال الذي تطرحه هذه المقالة في غاية العمق: إذا كان الإنسان سليل الحيوان حقاً، فلماذا لا تستطيع البيولوجيا التطورية تفسير هذا الاختلاف الجذري بينهما، رغم التشابه العظيم في الجسد؟ هذا السؤال وحده كافٍ لنسف التصوّر الاختزالي للإنسان.
إن تضخّم الذات البشرية ليس مجرّد انحراف نفسي، بل دليل وجودي على أن الإنسان ليس حيواناً متطوّراً، بل كائناً خرج من الطبيعة خروجاً جعله: واعياً بنفسه، مفتوناً بذاته، قادراً على معصية الأنبياء، عاجزاً عن الاعتراف بخطئه، غير خاضع لقوانين “المنفعة التطورية” التي تضبط الحيوان فالإنسان، لو كان استمراراً للحيوان، لكان أكثر انسجاماً مع المصلحة، وأكثر قابليةً للإصلاح، وأقلّ إصراراً على الاهتمام بـ “صورة الذات” على حساب “سلامة الذات”. إنها إذاً طبقة ميتابايولوجية، تُعلن أن الإنسان ليس مجرد امتداد للطبيعة، بل كائن مفارق لها، وإن شاركها في الجسم.
