في معنى الآيةِ الكريمة “أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ”

لا يملكُ المرء، وهو يتدبَّرُ القرآنَ العظيم، غير أن يَخلصَ إلى حقائقَ تكفل له أن يتبيَّنَ العِلَلَ التي تكمن من وراء كلِّ ما يستعصي على الفهم مما هو ذو صلةٍ بأفعالِ وسلوكيات أولئك الذين يزعمون أنهم أدرى الناسِ بِدينِ اللهِ الحنيف وأكثرَهم التزاماً بتطبيقِ كلِّ ما يأمرُهم به. فالمتدبرُ لقرآنِ اللهِ العظيم لن يستعصِيَ عليه تبيُّنَ النفاق الذي يتخبطُ في تلافيفِه أولئك الذي يُكرهون الناسَ على أن يتديَّنوا بهذا الدين بألسنتِهم وإن لم يؤمنوا به بقلوبِهم. فلكأنَّ هؤلاء، في تطرُّفِهم وتزمُّتِهم، لا يضيرُهم أن يكونَ تديُّنُ مَن يُكرِهونه على الإذعانِ لفهمِهم، غيرِ السَّوي، لدينِ اللهِ الحنيف نفاقاً ومداهنةً ورياء! فالذين يُكرِهون الناسَ قد جعلوا من أنفسِهم آلهةً كآلهةِ الإغريق والرومان في تسلُّطِها على الناس وتحكُّمِها في مصائرِهم: يقتلون مَن يشاؤون ويستحيون مَن يشاؤون! ولو أنَّ هؤلاء المتزمتين المتطرفين فقهوا من دينِهم شيئاً لَما ألزموه الناسَ وهم له كارهون. أفلم يتدبروا قصةَ النبي نوح الذي قال لقومِه الذين أبوا أن يستجيبوا له: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) (28 هود).
ولو أنَّ هؤلاء، المتزمتين المتطرفين، تدبروا القرآنَ حقاً لَما فاتهم أن يتَّعظوا بقولِ اللهِ تعالى لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين) (99 يونس). وإذا كان هؤلاء المتزمتون المتطرفون قد برهنوا بأفعالِهم وسلوكياتِهم على جهلِهم بقرآنِ اللهِ العظيم، فإنَّ كلَّ مَن يؤمن أفكارِهم، ويتَّبع خطواتِهم، يشاركهم الجهلَ نفسه. فلا عذرَ لكلِّ مَن يسمع لقولِ أولئك الذين يخالفون صريحَ النصِّ القرآني العظيم، أما وأنَّ اللهَ تعالى قد أمرَنا بتدبُّرِ قرآنِه الذي جعله مُيسَّراً للذِّكر يبحث عمَّن يدَّكِر: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (29 ص)، (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (17 القمر).

أضف تعليق