مصير التوراة بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم

من أهمّ وظائف التدبُر القرآني أنه يحرّر المتدبِر من سطوةِ كثيرٍ من المُسلَّمات، ويُعيده إلى النصّ ليبني يقينياته من داخله لا من خارجه. إحدى هذه المسلّمات هي الاعتقاد بأنّ توراة موسى عليه السلام لم تكن موجودة زمن النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن اليهود الذين عاصروا الوحي لم يكن بأيديهم إلا النصّ الذي نسميه اليوم “العهد القديم”. غير أن هذه المسلّمة، على رسوخها، ليست من القرآن في شيء؛ بل إن النص القرآني ينقضها في عدد من المواضع الصريحة. تهدف هذه المقالة إلى: تدبر الآيات القرآنية التي تثبت وجود التوراة زمن تنزُل القرآن العظيم، وتفكيك الخلط بين “التوراة” و”العهد القديم”، وتقديم نموذج منهجي يفسّر سبب شيوع الخطأ التأويلي، وطرح السؤال المركزي: أين اختفت التوراة بعد عصر النبوة المحمدية؟، ومناقشة روافد الإجابة الممكنة بين التاريخ والسنن الإلهية.
تكمن المشكلة في وجود تناقض صارخ بين:
ما رسخ في الوعي العام من أن التوراة الحقيقية قد اختفت منذ قرون قبل الإسلام. غير ان ما تقوله الآيات القرآنية بوضوح هو أن التوراة كانت موجودة بين أيدي يهود المدينة، يُحتكم إليها، ويمكن الرجوع إليها بالنص والقراءة. السؤال الذي تنطلق منه هذه المقالة هو: كيف نوفّق بين الموقف الشائع في الوعي الديني، وبين الدلالة النصية القطعية للقرآن العظيم؟ يستند الاعتقاد بإختفاء التوراة الأصلية قبل الإسلام إلى ثلاثة مصادر رئيسية: الروايات التاريخية اليهودية والمسيحية التي تتحدث عن ضياع الأسفار زمن السبي البابلي، والتفاسير الإسلامية المتأخرة التي صاغت حكمها على هذه الروايات، والخلط المستمر بين “التوراة” و”الأسفار القانونية” في التقليد اليهودي. لكن هذه الخلفية، رغم شيوعها، لم تُعرض قطّ على ميزان النص القرآني عرضاً منهجياً، وهو ما تسعى هذه المقالة إلى القيام به. يقدم القرآن العظيم ثلاث شهادات مركزية، تضرب جذور المسلّمة السائدة: أن التوراة كانت مرجعاً قانونياً حقيقياً ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ (المائدة من 43)؛ الآية تصوّر: وجود كتاب بين أيدي اليهود، الذي عاصروا النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا الكتاب يحتوي حُكمَ الله. واليهود كانوا قادرين على الاحتكام إليه. فالنص واضح: التوراة كانت حاضرة، مكتوبة، ويُحتكَم إليها من قِبَلهم. التوراة كانت تحتوي وصف النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (الأعراف من 157)، ليس المقصود الأساطير الشفوية، بل نصّ مكتوب: “عندهم”، “مكتوباً”، أي مادة نصّية فعلية. إمكانية مطالبتهم بتلاوة التوراة ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ (آل عمران من 93)، فالقرآن لا يمكن أن يطلب تلاوة كتاب غير موجود. هذه النصوص تُثبت ما يلي: التوراة لم تكن مفقودة في عصر النبوة، واليهود كانوا يمتلكون نصاً يعتبره القرآن توراة موسى، هذا النص مفارق لما يُعرف اليوم بـ “العهد القديم”. يتعامل القرآن مع “التوراة” بوصفها: كتاباً منزّلاً، ذا وحدة عضوية، ذا محتوى تشريعي مباشر. بينما العهد القديم (Old Testament) هو: مكتبة من 39 سفراً (في اليهودية)، و46 (في المسيحية). وهذه الأسفار هي كتبٌ تاريخية، شعرية، حِكمية، أنساب، قوانين، وسرديات تراكمت على مر الزمان. وهي نتاج تدوين طويل يمتد من القرن العاشر قبل الميلاد حتى القرن الثاني قبل الميلاد.
إذاً فالتوراة هي كتاب الوحي المنزل، بينما العهد القديم هو مجموعة أسفار تاريخية لاحقة. إن الخلط بينهما كان سبباً مركزياً في نشوء مسلّمة “اندثار التوراة”.
إن خير مثالٍ يُعيننا على فهم العلاقة المأزومة بين “التوراة” و”العهد القديم” هو التناقض القائم بين الآية الكريمة 102 من سورة البقرة، التي تتحدث عن القصة الحقيقية للمَلَكَين هاروت وماروت وبين الرواية الشعبية-الخرافية ذات الصلة. فاستدعاء مثال هاروت وماروت هنا ليس استطراداً بل ضرورة منهجية. فالقضية تشبه قضية التوراة والعهد القديم: نص قرآني صريح، مقابل روايات تفسيرية بشرية تبني قصصاً لا أصل لها؛ يجري تقديم الموروث على القرآن، ويتراكم الخطأ ليصبح “مسلّمة”. هذا النموذج يبيّن كيف انحرف العقل التفسيري في بعض مراحله، وهو ما يفسّر قبول فكرة اندثار التوراة دون رجوع الى ما يقوله القرآن العظيم بهذا الشأن. فمادام القرآن قد أثبت وجود التوراة في زمن النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ووصفها بأنها تحتوي “حُكمَ الله”، وأعلن أنها كانت مقروءة ومكتوبة، فإن السؤال المنطقي التالي هو: كيف اختفى هذا النص؟ ولماذا لم يورّثه التاريخ كما ورّث نصوص الأسفار اليهودية؟. السؤال ليس تاريخياً فحسب، بل هو منطقي؛ وذلك لأن كتب الوحي لا تتوارى عادة دون حكمة. كما أنه سؤال يوجبه التدبر القرآني؛ لأن القرآن يشدد على حقيقة وجودها بوضوح. كما أنه سؤال منهجي؛ لأن اختفاء نصٍ إلهي يطرح سؤالاً حول التدخل الإلهي.
لا يمكن الجزم بجواب واحد، لكن يمكن طرح أربعة مسارات تفسيرية محتملة:

  1. الإخفاء لا الضياع؛ فقد تكون التوراة قد تم اخفاؤها عن عمد من قبل أحبارٍ علِموا أنها تحتوي بشارات واضحة بالنبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. وهذا يوافق قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾.
  2. الحصر الطائفي للنص؛ كانت بعض الطوائف اليهودية تحتفظ بنسخ من التوراة، لا تتيح تداولها إلا داخل نطاق مغلق.
  3. الإبدال المنهجي التدريجي؛ أن الأسفار اللاحقة غطّت تدريجياً على النص الأصلي حتى لم يعد بالإمكان الوصول إليه.
  4. السنن الإلهية في تداول الوحي؛ قد يكون اختفاء التوراة الأصلية جزءاً من: سنّة الرفع الإلهي التي ترتبط بتبدّل الأمم، أو سنّة استبدال الوحي بعد انتهاء زمن النبوة. وهذه السنن القرآنية قد وردت في قوله تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. تكشف الدلالة القرآنية عن حقيقة صادمة مفادها أن التوراة التي أنزلها الله على النبي موسى عليه السلام كانت موجودة بين أيدي يهود المدينة، ومُحتكماً إليها، ومقروءةً زمنَ النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. وبالتالي فإن الاعتقاد بأن التوراة اندثرت قبل الإسلام لا يؤيده القرآن، والخلط بين “التوراة” و”العهد القديم” خطأ منهجي متجذر، وأن نموذج هاروت وماروت يشهد على آلية التوريث التفسيري غير المتدبر، وأن اختفاء التوراة بعد زمن النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لغز يستدعي بحثاً متدبراً، يتوزع بين احتمالات عدة: الإخفاء البشري، أو التحريف التدريجي، أو السنن الإلهية في رفع الوحي عن الأمم. إن إعادة الاعتبار لوجود التوراة زمن النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ليست مسألة تاريخية بسيطة، بل هي تصحيحٌ لمنهج التعامل مع النص القرآني، وإعادة بناء لأسس الوعي الديني على معيار واحد: ما يقوله القرآن، لا ما تناقلته التفاسير أو الروايات.

أضف تعليق