الجوهر الآخروي لرسالة السيد المسيح… بين شفايتزر والقرآن العظيم

يُعدّ ألبرت شفايتزر (Albert Schweitzer)، الطبيب الفيلسوف وعالم اللاهوت الحائز على جائزة نوبل للسلام، شخصية استثنائية في القرن العشرين، ليس فقط لإخلاصه في العمل الإنساني في لامبارينيه، بل لأثره العميق في الدراسات اللاهوتية. وقد تجلّت عبقريته النقدية في كتابه الرائد “السعي ليسوع التاريخي” (The Quest of the Historical Jesus)، الصادر عام 1906. لم يكن الكتاب مجرد تجميع لتاريخ البحث عن شخصية المسيح، بل كان بمثابة حكم بالإعدام على المحاولات الليبرالية التي سبقته. فقد بيّن شفايتزر أن الباحثين الليبراليين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لم يجدوا يسوع الحقيقي، بل صنعوا “صورة” ليسوع تنسجم مع قيمهم العقلانية والأخلاقية المعاصرة، متجاهلين الجوهر الأصلي لرسالته.
على الرغم من النجاح النقدي لكتابه، واجه شفايتزر انتقادات حادة من داخل الأوساط اللاهوتية، خاصة تلك المتبنية للتيار الليبرالي الذي سعى لتصوير يسوع كمعلم أخلاقي يركّز على تحسين هذا العالم وتأسيس قيم حضارية إنسانية. كانت هذه الانتقادات تنطلق من منطلق مقاربة غير صائبة للنص الوارد في العهد الجديد.
لقد فرض المنتقدون على النص الأصلي تصوراتهم لما كان يجب أن تكون عليه رسالة السيد المسيح. فـ “اليسوع الليبرالي” الذي أرادوا ترسيخه هو يسوع يهتم بالتقدم الاجتماعي والحضارة العقلانية، وهي تصورات بعيدة كل البعد عن الجوهر الإسخاتولوجي (الأخروي) لرسالة المسيح في القرن الأول الميلادي. لقد جعل المنتقدون من رسالة المسيح مشروعاً دنيوياً بحتاً يتمحور حول شؤون هذا العالم، مع تغافلٍ تام عن ذكر الآخرة التي كانت المنطلق الرئيس لدعوته.
تكمن عبقرية شفايتزر في إدراكه أن رسالة السيد المسيح تكاد تخلو بصورة مطلقة من التخريجات الفلسفية والأخلاقية المعقدة التي أراد منتقدوه أن يجعلوها جوهر هذه الرسالة. وبدلاً من ذلك، نجح شفايتزر في تشخيص المحور الرئيس الذي تقوم عليه رسالة المسيح، وهو “الإسخاتولوجيا الثابتة” (Consistent Eschatology).
لقد كان السيد المسيح، وفقاً لقراءة شفايتزر، ينطلق من اقتناع مطلق بأن ملكوت الله قد اقترب وشيكاً، وأن يوم الدينونة على الأبواب. رسالته الأساسية لم تكن مجرد دعوة إلى الأخلاق الفاضلة، بل كانت تحذيراً وإنذاراً يفرض على أتباعه تضحية جذرية واستعداداً فورياً لهذا الحدث الكوني الوشيك. كل أعماله وتعاليمه، من صرامتها إلى دعوتها للتخلّي عن الماديات، لا يمكن فهمها إلا في ضوء هذا القرب المؤكد لنهاية الزمان.
يكفي نجاحاً لألبرت شفايتزر في تشخيص جوهر رسالة السيد المسيح أن نجد أن القرآن الكريم يتمحور هو الآخر حول مفردة بعينها جعلها جوهر رسالته التي لا تكاد تخلو صفحة من صفحاته من التذكير بها وبما تنطوي عليه من تحذير وإنذار باقتراب الساعة وأن الآخرة آتية لا ريب فيها.
إن هذا التطابق والتماثل بين رسالة السيد المسيح كما أفلح ألبرت شفايتزر في تبين محورها الرئيس (الآخرة والدينونة) وبين رسالة الإسلام ليس بالأمر المستغرب؛ فكلا الرسالتين تنبعان من ذات المصدر الإلهي الواحد. وكلتاهما تحمل الأمر ذاته: تحذير من الآخرة ومن اقترابها الوشيك. ويُحسب لألبرت شفايتزر عبقريته الفذة التي مكنته من التحرر من أغلال العقلانية الغربية والوقوع على هذا الجوهر النبوي المشترك.
إن رسالة الأنبياء جميعاً، من أبي البشر آدم إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، تدور في فلك هذا المحور. فالتحذير من الآخرة والدعوة إلى الاستعداد لها هي رسالة الأنبياء كلهم جميعاً؛ وعبقرية شفايتزر أنه استطاع، بمنهجه النقدي، أن يزيل الطبقات المتراكمة من التفسيرات ليُعيد اكتشاف هذه الحقيقة النبوية الأولى في قلب العهد الجديد.

أضف تعليق