مفارقة العصر… حين يُقبل العلم على الخيال ويُعرض عن “الخوارق”

لطالما نُشِّأنا على تمجيد العلم وتبجيل العلماء، باعتبارهم نُخبة تبحث عن الحقيقة وتسعى وراء المعرفة المجردة، بغض النظر عن الكلفة أو العائد. لكن، وفي خضم الثورة التكنولوجية المعاصرة، يبرز تناقض سلوكي صارخ يجعلنا نتوقف طويلاً، ونعيد النظر في بوصلة العلم المعاصر ودوافعه الحقيقية.
تتمثل هذه المفارقة في انصراف العلم المعاصر وإعراضه شبه المطلق عن البحث المنهجي في مجال الظواهر غير المألوفة والقابليات البشرية المستعصية على التفسير العلمي، ومن ذلك الظواهر الخارقة أو الظواهر الباراسايكولوجية. في المقابل، نجد أن ذات هذا العلم ينشغل بشغف هائل في كل ما هو ذو صلة بالخيال العلمي؛ فتنصب الجهود والأموال والبحوث على تحويل الروايات والأفلام والمسلسلات وبرامج الألعاب الإلكترونية إلى واقع مادي ومعاش.
إن هذا التناقض السلوكي لا يمكن تبريره إلا بفرضية واحدة: هل غلب المال شغف العلم باللامُفسَّر؟
لقد أصبح الخيال العلمي، وكل ما يمت له بصلة، يمثل مشروعاً استثمارياً مدراراً للمال الوفير. إن تحويل حلم السفر بين النجوم، أو صناعة الروبوتات والذكاء الاصطناعي، أو بناء الأكوان الافتراضية (الميتافيرس)، هو “مادة خام” جاهزة لشركات التكنولوجيا العملاقة. هذه المشاريع لا تستقطب مئات الملايين من المتابعين المخلصين فحسب، بل هي محرك اقتصادي ضخم يضمن استمرارية التمويل والاهتمام الأكاديمي الموجه، لأنها تحقق المنفعة العاجلة والمردود التجاري الفوري.
في المقابل، يقف البحث في مجال الظواهر الباراسايكولوجية وحيداً ومنبوذاً. إنه بحث لا فائدة تجارية ترتجى من ورائه، بل هو عمل شاق يستنزف المال عوضاً عن جلبه، ويُعرّض الباحثين لخطر المساءلة أو التهميش الأكاديمي. هذا الإحجام ينبع من أن نتائج هذا البحث قد تتحدى الأسس المادية التي بُني عليها النموذج العلمي الحالي، وهو ما يمثل خطراً إيديولوجياً على صرح العلم نفسه.
لقد أصبح العلم، بتوجيه من الشركات المستثمرة، ينتقي حقول المعرفة التي يسبر أغوارها، ليس بناءً على أهميتها الوجودية أو إلحاحها المعرفي، بل بناءً على جدارتها الاقتصادية وقدرتها على تحقيق الربح.
إن هذا التناقض السلوكي الذي تنطوي عليه هذه المفارقة ليجعلنا نشكك في الدوافع النقية للعلم من وراء بحثه في هذا المجال وإحجامه عن البحث في غيره من المجالات. فهل آن أوان صحوتنا ويقظتنا من ذلك الحلم الجميل الذي ظل يراود مخيلتنا مُذ كنا أطفالاً، حين كنا نُصوّر العلماء كـ”كهنة للحقيقة” لا يلوون على شيء سوى الكشف عن أسرار الكون؟
صحيح أن الظواهر الخارقة لا مجال للمقارنة بينها وبين عالم الخيال العلمي، وذلك على قدر تعلق الأمر بالمردود الاقتصادي والمنفعة العاجلة. غير أن هذه الظواهر، التي تلامس أعماق الوعي البشري والقابليات الإنسانية غير المستغلة، قد تشتمل على ما فيه خلاصنا، أو على الأقل، ما فيه فهم أعمق وأشمل لطبيعتنا ككائنات واعية.
إن إصرارنا على تحويل الخيال العلمي إلى واقع يومي مُعاش، وإن كان قد جعلنا “نعيش أحلامنا” على أرض الواقع، إلا أنه قد رسخ فينا بالمقابل سلوكيات ينذر تغافلنا عن مآلاتها المستقبلية بخطر وجودي يتهدد بقاءنا كنوع بشري. لقد غرقنا في التكنولوجيا المُستنسخة من الخيال، ونسينا البحث في إمكانياتنا الجوهرية التي قد تكون مفتاحاً لتوازننا وبقائنا.
إن العلم، في صميم رسالته، يجب أن يكون بحثاً جذرياً لا يخشى التحدي ولا يعبأ بالربح السريع. إن التخلي عن استكشاف الظواهر الباراسايكولوجية مقابل الانغماس في الألعاب والأفلام التي تتحول إلى تكنولوجيا، هو دليل على أن بوصلة المعرفة قد انحرفت بفعل إغراء المال.
يجب أن يستعيد العلم توازنه، وأن يخصص جزءاً من جهوده للبحث عن الحقيقة أينما وجدت، حتى لو كانت تكلف المال ولا تجلبه. فـ”البحث عن الحقيقة” يجب أن يبقى هدفاً أسمى، لا يمكن التنازل عنه لصالح “الاستثمار في الحلم”. وإلا، فإننا نخاطر بالعيش في عالم متقدم تقنياً لكنه فقير وجودياً، عالم نجح في محاكاة الخيال، لكنه فشل في اكتشاف حقيقة الإنسان.

أضف تعليق