
يُعدّ مبحث الإكراه على العقيدة أحد الإشكالات المركزية في الخطاب الديني التقليدي والمعاصر على حدٍّ سواء. فمع أن القرآن الكريم قد أرسى مبدأً قاطعًا يقوم على حرية الاعتقاد ومسؤولية الإنسان الأخلاقية في الاختيار، لا تزال بعض الخطابات المتزمتة تمارس تأويلاً قسريًا للدين يتمثل في حمل الناس على أن يتديّنوا بصورة قهرية لا محلّ فيها للقناعة أو الرضا. تهدف هذه المقالة إلى تحليل دلالة الآية الكريمة: “أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ” (هود:من 28)، وبيان بُعدها المنهجي في تأسيس مبدأ رفض الإكراه، ثم تقديم قراءة نقدية للمقاربات الدينية التي تُقصي هذا المبدأ على الرغم من صراحته النصية.
يتضمن الفعل “نُلزِمْكُمُوها” تركيبًا معقدًا يجمع بين: نُلزِم؛ من الإلزام، وهو حمل الغير على ما لا يختار فعله بإرادته حرّة، كم؛ ضمير الخطاب للجمع، مو؛ ضمير فصل يفيد توكيد النسبة، ها؛ عائد على البينة والرحمة المذكورتين في صدر الآية. يعبّر هذا التركيب المكثّف عن استحالة تحويل الإيمان من حالة وجدانية-فكرية حرّة إلى التزام مفروض بالقوة. وتدل كلمة “كارِهون” هنا على رفض قلبيّ واضح، لا مجرد عدم الحماسة. والكراهية بهذا المعنى تقابل فقدان التصديق الداخلي، أي عدم تحقق الإيمان بمعناه الحقيقي. ومحصلة التركيب اللغوي أن الآية تنصّ على حقيقة مفادها: الإيمان لا يتحقق بالإلزام، بل بالاقتناع القلبي وحده. تأتي الآية في سياق حِجاجيّ يقدّمه النبي نوح لقومه بعد أن بيّن لهم أنه على بيّنة من ربه، وأن ما جاء به رحمة من عند الله. غير أن هذه الرحمة قد عُمّيت عليهم؛ أي لم يدركوا حقيقتها بسبب عنادهم. من هنا يطرح نوح سؤالًا بلاغيًا قاطعًا: “أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ”؟ والسؤال هنا ليس مجرد استفهام، بل صيغة امتناع منطقي ومنهجي، أي: “كيف يمكن، شرعًا أو عقلًا أو فطرة، أن نُلزمكم بما لا تتقبلونه في قلوبكم؟”. بهذا المعنى يصبح الإيمان القسري مناقضًا للوظيفة الجوهرية للوحي. ليست هذه الآية حالة منفردة؛ بل تنتمي إلى منظومة نصوص تؤسس لإيمان حرّ، ومن أبرزها:
1. “أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” (يونس: 99)، وهي آية تُخاطب النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم نفسه، نافيةً عنه أي سلطة إكراه. فإذا كان الإكراه ممنوعًا على مستوى مقام النبوّة، فكيف لمَن هم دونه؟.
2. “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين” (البقرة: من 256)، وهي قاعدة كبرى، وليست نصًا منعزلًا، تؤكّد أن الإكراه يناقض جوهر الدين.
3. “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف: من 29)، وهذه الآية ترسم حدود مسؤولية البلاغ لا الإكراه.
تدل هذه النصوص جميعًا على أن الإيمان أمر ذو طبيعة اختيارية، لا يقوم إلا على حرية الإرادة. تُبرز القراءة المقارنة بين النص القرآني والممارسة الواقعية وجود فجوة كبيرة بين ما يدعو إليه القرآن وما يمارسه بعض المتزمتين الذين يفرضون على الناس أشكالًا محددة من التدين، ويقيّمون صدق الإيمان على أساس السلوك الظاهري، ويُخضعون الآخرين لقوالبهم الفكرية بالقهر النفسي أو الاجتماعي. إن هذا النموذج من الخطاب لا يمثل الدين، بل يمثل حالة استحواذ إيديولوجي تُشبه، في جوهرها، ما كان للآلهة الأسطورية عند الإغريق والرومان من تسلط وتحكم. فالإنسان حين يُكره غيره على الدين يجعل نفسه نَدًّا لله، ويمارس سلطة ليست له أصلًا. وهذا النمط من الممارسة ينشأ غالبًا عن جهل ببنية الخطاب القرآني، أو عن رغبة في السيطرة باسم الدين، أو عن سوء فهم لطبيعة الإيمان، أو عن خلط بين التدين الحقيقي و الخضوع الاجتماعي. يتضح من مجموع النصوص أن المنهج القرآني يقوم على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك مساحة للاختيار الإنساني، والتفريق بين البلاغ والإكراه، وتحميل الإنسان مسؤولية اختياره، ورفض تحويل الدين إلى سلطة قاهرة. ومن هنا فإن كل خطاب ديني يقوم على القسر لا يُمثّل القرآن، بل يخالفه.
تخلص هذه المقالة إلى أن الآية الكريمة “أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ” تُعد نصًّا تأسيسيًا في رسم حدود الإيمان الصحيح. فالإيمان لا يتحقق بالقوة، ولا يتحقق بتكرار الشعائر، ولا يتحقق بالخضوع الاجتماعي، بل يتأسس على الاقتناع والرضا والتصديق القلبي. ومن ثم فإن كل محاولة لإكراه الناس على الدين تمثل مخالفة صريحة للنص القرآني ومنهجه، وتعيد إنتاج نمط من السلطة غير الدينية التي تجعل صاحبها في مقام منازع لله في شؤون العباد. بهذا المعنى تُصبح الآية معيارًا نقديًا يُمكّن الباحث من التفريق بين خطاب ديني أصيل يقوم على البلاغ والحرية، وبين خطاب متطرّف يريد أن يفرض الدين بالإكراه، ولو أدّى ذلك إلى نفاق اجتماعي لا قيمة له في ميزان الله.
