النفس البشرية بين الاختزال البايولوجي والميتافيزيقا

تُعدّ مسألة طبيعة النفس البشرية إحدى أكثر الإشكالات استعصاءً في تاريخ الفكر، سواء في الفلسفة أو علم الأحياء أو علم النفس أو اللاهوت. وقد استقرّ لدى أغلب المقاربات المعرفية الحديثة تصوّرٌ يقوم على ثنائية حصرية، تختزل الإجابة في خيارين لا ثالث لهما: إما أن تكون النفس فعالية بايولوجية قابلة للاختزال إلى آليات دماغية يمكن تفسيرها بالقوانين الطبيعية، أو أن تكون كينونة ميتافيزيقية متعالية على الجسد ومنفصلة عن قوانين المادة. إلا أن هذه الثنائية، على رسوخها في الوعي المعرفي المعاصر، تعجز، عند إخضاعها للتحليل النقدي، عن تفسير عددٍ كبير من الظواهر الإنسانية التي لا تجد لها أساساً في التطور البيولوجي ولا في التصورات الميتافيزيقية التقليدية. في إطار هذا المشروع المعرفي الذي يتقصّى التحويلة التطورية وملامح الحدث الميتابايولوجي الذي انبثق عنه الإنسانُ في صورته الحالية، تُطرح هنا فرضية ثالثة تتجاوز الحصرية الثنائية: النفس ليست بيولوجية خالصة ولا مفارقة ميتافيزيقياً، بل هي نتاج عملية تطورية غير خطية أفضت إلى نشوء طبقة نفسية جديدة لا تنتمي تماماً إلى الطبيعة الحيوانية ولا تنفصل عنها كلياً.
تتعامل العقلانية الحديثة مع كثير من المشكلات عبر آلية ذهنية تميل إلى اختزال الخيارات في ثنائيات حادة. وفي هذا الاتجاه ينشأ الاعتقاد بأن كل سؤال معرفي لا بد أن يُجاب عنه عبر المفاضلة بين خيارين متناقضين، أحدهما صائب والآخر بالضرورة خاطئ. غير أن هذا النمط الحصري لا يمتلك صلاحية مطلقة فثمة أسئلةٌ، ومنها سؤال طبيعة النفس، لا تقع إجابتها ضمن نطاق ثنائية قابلة للحسم، بل تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تتخطى الحدود الصلبة التي يفرضها العقل الاختزالي. ومن الشواهد على ذلك أنّ كثيراً من المشكلات التي افترض العقل أنها ثنائية قد تبيّن لاحقاً أنها تتجاوز حدود الثنائية نفسها، مثل: مشكلة الوعي (consciousness)، ومشكلة الإرادة الحرة، ومشكلة القيم الأخلاقية، وطبيعة الخبرة الذاتية؛ كلها مسائل لم تنجح الثنائية الحصرية في تقديم تفسيرٍ كافٍ لها.
يرتكز المذهب الاختزالي العلمي على افتراض أن كل ظاهرة إنسانية، مهما بلغ تعقيدها، قابلة للردّ إلى أساس بيولوجي أو كيميائي. ومن ثمّ تصبح “النفس” مجرد تسمية قديمة لحزمة من العمليات العصبية. غير أن هذا النموذج العلمي يفشل في تفسير خصائص نفسية أساسية، منها:
1. ظواهر لا تخدم المنفعة التطورية، مثل الشعور بالذنب، والإيثار غير المشروط، والعدمية، وتدمير الذات، وكلها لا تخدم بقاء الفرد ولا النوع.
2. التعقيد العاطفي والأخلاقي، القدرة على مخالفة الغريزة، أو كبح الدافع رغم الضرر الشخصي، لا يمكن تفسيرها بمنطق الانتقاء الطبيعي على الإطلاق.
3. بروز “الأنا المعارض”: وهو ما سبق تحليله في مقالاتي حول “تضخم الأنا الآخر”، حيث أن ظهور صوت داخلي يعارض رغبات الفرد لا ينسجم مع المنطق الحيواني.
4. عدم قابلية الخبرة الذاتية للاختزال: الإحساس بالوعي، التجربة الحميمية “qualia”، ليست حادثة فيزيائية قابلة للتجريب.
وعليه فإن النموذج البايولوجي، رغم أهميته، لا يمتلك القدرة الكافية لشرح النفس البشرية بكافة تجلياتها.
على الجانب الآخر، ينزع التدين الشعبي والفلسفات الروحية إلى القول بأن النفس كيان مفارق للمادة، متعالٍ على قوانين الطبيعة. غير أن هذا النموذج يعاني من إشكاليتين:
1. غياب الأساس النصي الواضح: التصور الذي يجعل النفس “جوهرًا مفارقًا” لا يستند إلى نص قرآني مباشر يقول بوجود كيان متعالٍ منفصل عن الجسد.
2. عدم تفسير الصيرورة النفسية
فإذا كانت النفس متعالية وغير خاضعة للتطور، فكيف نفسّر انتقالها عبر التاريخ من البساطة إلى التعقيد؟، وكيف نفسّر ظهور الصراع الداخلي، وتأنيب الضمير، وازدواج الإرادة؟. إنّ النموذج الروحي الذي ينظر إلى النفس كجوهر ثابت يتجاهل تاريخ الإنسان التطوري وتراكماته السلوكية.
هنا تتجلى الفرضية المركزية للمقاربة الميتابايولوجية:
1. الإنسان لم يتطور تطوراً خطياً، بل شهد حدثاً ميتابايولوجياً: في نقطة غير قابلة للاختزال إلى قوانين البقاء والغريزة، حدثت “قفزة” أدت إلى ظهور طبقة نفسية جديدة.
2. التحويلة التطورية: هذا الحدث شكّل تحوّلاً في البنية الإدراكية والوجدانية للإنسان، فلم يعد خاضعاً بالكامل للغريزة الحيوانية، ولم يتحرر من لحمه ودمه ليصبح روحاً مفارقة. بل نشأ كيان ثالث يقع على الحد الفاصل بين الطبيعة وما فوق الطبيعة.
3. النفس بوصفها “طبقة فوق-طبيعية”: ليست روحاً ميتافيزيقية خالصة، وليست وظيفة دماغية خالصة.
إنها بنية مركبة نشأت من خلال تراكم طويل للخبرات التطورية غير القابلة للتفسير البايولوجي.
4. بروز الإرادتين: هذا النموذج يفسّر ظهور مفهوم قرآني بالغ الأهمية: الإرادة التي تدعو الى النفس، والإرادة التي تعارضها. وهو ما يشهد على نشوء ذاتٍ مزدوجة لا وجود لمثيلها في عالم الحيوان.
إن سؤال: هل النفس فعالية بايولوجية أم كينونة ميتافيزيقية؟ ليس سؤالاً ثنائياً أصلاً، ولا يمكن الإجابة عنه ضمن حدود الثنائية الموروثة. فالنفس، وفقاً لهذا النموذج الميتابايولوجي نشأت من تحويلة تطورية غير خاضعة لقوانين الانتقاء الطبيعي، وأنتجت كياناً متعدد الطبقات، يجمع بين الطبيعة وما بعد الطبيعة، دون أن يذوب في أحدهما أو ينعزل عنهما.
هذا التصور لا يقدّم “حلاً وسطاً” بل يقدّم إطاراً معرفياً جديداً يعيد فهم الإنسان خارج ثنائية البيولوجيا والميتافيزيقا، ويمنح مشروع “الإنسان ذو الإرادتين” أساسه الأنثروبولوجي والفلسفي العميق.

أضف تعليق