
تظل قصة المناضل الكونغولي باتريس إيميري لومومبا واحدة من أحلك فصول التاريخ الحديث؛ ليست فقط لأنها تروي حكاية اغتيال سياسي لزعيم وطني قاد بلاده نحو فجر الاستقلال، بل لأنها تُشكل وصمة عار خالدة تكشف حقيقة النفاق الاستعماري الذي لطالما تغنّى بالحرية والديمقراطية. إنها الحكاية التي لا ينبغي أن تُقصَر على مخازي الاستعمار الأوروبي فحسب، بل يجب أن تُتخذ نموذجاً فجاً لقانون الطغيان البشري الذي ينتظر اللحظة المناسبة ليسقط القناع عن وجه الإنسانية.
في عام 1960، كان لومومبا يمثل شرارة الأمل المشتعلة في قلب القارة السمراء، مُعلناً نهاية الهيمنة البلجيكية على الكونغو. لكن صوته العالي، الرافض للهيمنة والمطالب بالسيادة الكاملة، كان بمثابة حكم بالإعدام صدر في الغرف المظلمة للعواصم الغربية. لم يكن مجرد منافس، بل كان تهديداً وجودياً للمصالح الاقتصادية التي استنزفت الكونغو لعقود طويلة.
المؤامرة التي حاكها الطغيان الاستعماري، بتواطؤ داخلي ودعم خارجي، لم تكن تهدف إلى “تحييد” لومومبا، بل إلى سحقه وسحق فكرته. لقد اختُطف هذا الثائر، ثم سُوم سوء العذاب في رحلة مُهينة من التنكيل، ولم يكتفِ الجلادون بقتله بدم بارد في يناير 1961، بل سعوا إلى تدمير جثته بالكامل في محاولة لضمان عدم وجود أي مزار أو رمز للثورة، أرادوها قتلةً يُخلّدها التاريخ عبرة لكل الثوار الوطنيين الذين يجرؤون على تحدي النظام الإمبراطوري.
إن ما حدث للومومبا على يد الاستعمار البلجيكي، الذي يُفترض أنه ينتمي للحضارة التي تفاخر بمُثل الليبرالية وحقوق الإنسان، هو لحظة التجرد الأعظم. لقد كانت بلجيكا عاجزة عن التصرف وفقاً للمبادئ التي تلهج بها ألسنتها وتسطرها مواثيقها، وبرهنت بصورة قاطعة أن هذه المبادئ لم تكن سوى ترف نظري يتم التضحية به فور تعارضه مع برميل نفط أو منجم ماس.
هنا، تكمن العقدة الأكثر إيلاماً: إن هذا السلوك الإمبراطوري لا ينبغي على الإطلاق أن يُقصَر على الأوروبيين فحسب، بل هو نتاج لقانون أعمق يسري على البشرية جمعاء:
الإنسان لا يسقط قناعه ليظهر وجهه الحقيقي المجرد إلا حين يصبح ذا قوة طاغية.
عندما يمتلك فرد أو جماعة أو أمة سلطة مطلقة، وحصانة من المساءلة، تتبدد طبقة التزويق الأخلاقي الرقيقة لتظهر الغريزة الباطنية التي تسعى للاستبداد والسيطرة. الطغيان هو نتاج القوة المطلقة وليس عرقاً أو ثقافة. صحيح أن المثال الأوروبي، متمثلاً هنا بالاستعمار البلجيكي، كان ينبغي أن لا يقوم بما قام به لكي يظل وفياً لقيمه المعلنة، غير أن عجزه عن ذلك أثبت هشاشة هذه القيمة أمام جبروت المصلحة.
إن اغتيال لومومبا يُجبرنا على الاعتراف بأن الأمر أكثر تعقيداً مما نظن. إن ما نسطره بأيدينا من دساتير، وما تلهج به ألسنتنا من خطب عن العدالة والحرية، لا ينبغي أن يكون هو المعيار الوحيد للحكم على حقيقتنا.
إن المعيار الحقيقي هو التطبيق في لحظة التضحية؛ كيف نتصرف حين تكون المبادئ على كفّة والمصالح على كفّة أخرى؟ وما أسهل أن ترفع القوة الاستعمارية شعار “حقوق الإنسان” في برلماناتها، وما أصعب أن تعمل به وهي تواجه ثائراً يهدد استغلالها.
لقد أرادوا بقتل لومومبا أن يمحوا حلم الاستقلال، فإذا بجريمتهم تتحول إلى شاهد إدانة أبدي على زيف ادعاءاتهم. إن إرث لومومبا لا يكمن في إنجازاته القصيرة، بل في الجريمة البشعة التي ارتكبت ضده، والتي برهنت بجلاء على صدق المقولة التي مفادها: “ما أيسر القول وما أعسر العمل بهذا القول.”
