
لا يملكُ مَن يتصدَّى لدراسةِ “النظام الكنَسي”، الذي ساد أوروبا في القرون الوسطى وما بعدها بقرنَين، غير أن يخرجَ بجملةٍ معقدةٍ من النتائج التي يكشف تضاربُها عن مدى التعقيد الذي كانت عليه حياةُ أولئك الذين ارتبط مصيرُهم بذلك “النظام”. فالحياةُ داخل مؤسساتِ ذلك “النظام” قد اتسمت بقدرٍ هائل من الصرامةِ المنهجية والاستبدادِ الذي ينطوي على ما يماثل الاستعباد بكلِّ ما تعنيه الكلمة. ولقد كان أكثرُ الأفرادِ معاناةً من تجلياتِ تلك القسوةِ المفرطة أولئك الذين كانت تركيبتُهم الخَلقية تمجُّ وتعاف كلَّ أشكال التحكم والسيطرة كما كانت تُمارسُ داخل مؤسساتِ ذلك “النظام”. فالقائمون على تلك المؤسسات قد توارثوا منهاجاً أُحكِمت صياغتُه، وبالكيفيةِ التي تضمن سحقَ كلِّ إبداعٍ وتميُّزٍ وإحساسٍ بالتفرُّدِ والتَّوقِ إلى الانعتاق والرغبةِ في إحداثِ ما يقتضيه الإصلاحُ والتصحيح من تغييراتٍ جذرية مناسبة.
غير أنَّ كلَّ ذلك البطشِ والتسلُّط والتحكُّم في مصائرِ الآخرين لم يستطع أن يحولَ دون أن يظهرَ أفرادٌ دفعت بواحدِهم عبقريتُه صوبَ خَلقِ عاصفةٍ هوجاء من التغيير في شتى جوانبِ ذلك “النظام” وما ابتدعه من أساليب قاسية ما كان السيدُ المسيح ليوافقَ عليها البتة، وهو الذي غيَّرَ بيدَيه ما كان قد ابتدعَه عُبادُ المال في فناءِ المعبد. وهكذا فلقد استطاعت قلةٌ من أولئك الأفراد الثائرين بطبعِهم، العاجزين عن التماهي مع سلوكياتِ “النظام المبتدَع”، أن تُبدِعَ نظاماً حقيقياً في قلبِ فوضى ذلك الابتداع أسفرَ عن شروقِ شمسٍ جديدة ما كان ليسطعَ ضياؤها لولا تلك المعاناة، ولولا تمرُّدهم على “النظام” الذي تسبَّب فيها. وإلا فمَن كان ليظنَّ أن يخرجَ من رحمِ تلك المعاناة عبقريٌّ مثل يوهان سباستيان باخ؟ فلقد قدَّمت موسيقى باخ الدليلَ القاطع على أنَّ فوضى ذلك “النظام الكنَسي المبتدَع” قد أثمرت، بظلمِها واستبدادِها وتعسُّفِها، ومن حيث لم تحتسب، نظاماً حقيقياً كان صوتَ المستقبل الذي زلزلَ أركانَ الابتداع والتصنُّع والافتراء على الحق مبشراً بقدومِ عصرٍ جديد سيشهدُ ظهورَ ما حسبَ صُناعُ الفوضى أنهم قد قاموا بإخفائه إلى الأبد.
