
إن التناقض الصارخ الذي يُميز السلوك البشري يمثل إحدى أعظم المعضلات التي تواجه الفلسفة والعلم على حد سواء. كيف يمكن للكائن الذي بلغ قمة التعقيد الفكري والقدرة على الإبداع المنطقي أن يكون في الوقت نفسه الكائن الأكثر ميلاً إلى التدمير الذاتي، والعنف الجماعي، والسلوكيات التي تتعارض مع أبسط مقتضيات البقاء العقلاني؟
في خضم هذا اللغز، قدم الكاتب والفيلسوف آرثر كوسيلر، في أعماله اللاحقة، لا سيما في كتاب “الشبح في الآلة” (The Ghost in the Machine)، تشخيصاً جذرياً يضع اللوم على التصميم التطوري للدماغ البشري نفسه. لم يكن مشروع كوسيلر مجرد نقد سياسي أو أدبي، بل تحول إلى محاولة معرفية كبرى لتفسير هذا الخلل الوجودي للإنسان.
اعتمد كوسيلر في تحليله على مفهوم “المراتب الهرمية” (Holarchy)، حيث اعتبر الكائنات والأنظمة الحية وحدات تسمى “الهولونات” (Holons)؛ وهي أجزاء مستقلة نسبياً تسعى لتحقيق ذاتها (الجانب الجزئي)، وفي الوقت نفسه تابعة وخدمية لكل أكبر منها (الجانب الكلي).
لكن حينما وصل إلى دراسة الدماغ البشري، شخص كوسيلر ما أسماه “الخلل التطوري الجسيم” (The Evolutionary Flaw) أو “الخطيئة الأصلية” البيولوجية. يرى كوسيلر أن التطور لم يفلح في دمج الأجزاء المختلفة من الدماغ البشري بنجاح وكفاءة:
• الدماغ العتيق (الجهاز الحوفي/Limbic System): هو مقر العواطف والانفعالات البدائية وغرائز البقاء.
• القشرة المخية الحديثة (Neocortex): هي مقر المنطق، واللغة، والتفكير المجرد، والقدرة على التخطيط المستقبلي.
يرى كوسيلر أن نمو القشرة المخية الحديثة قد حدث بسرعة هائلة على مقياس الزمن التطوري، مما أدى إلى تضارب تنظيمي (Schizophysiology) بينها وبين الجهاز الحوفي. هذا التضارب يعني أن المنطق البشري يفتقر إلى السيطرة التنفيذية الكاملة على الجهاز العاطفي الغريزي. ونتيجة لذلك، يمكن للأفكار المجردة التي تولدها القشرة المخية (كالأيديولوجيات والمذاهب العقائدية) أن تُضخَّم بطاقة عاطفية هائلة وغير متناسبة من الجهاز الحوفي، مما يفسر ميل الإنسان للتطرف، والولاء الأعمى للقبيلة/الفكرة، والاستعداد للتضحية الذاتية وللقتل الجماعي باسم مُطلق مجرد.
لقد وُجِّهت انتقادات نظرية لفرضية كوسيلر، خاصة حول تبسيطه لمفهوم “الدماغ ثلاثي الأجزاء” (Triune Brain) الذي استند إليه، إلا أن هذه الانتقادات لم تستطع أن تقوِّض جوهر تشخيصه. فالنقد العلمي ظل مقتصراً على الجوانب الميكانيكية للنموذج العصبي دون تقديم مقاربة بيولوجية تطورية بديلة قادرة على تفسير هذا التناقض الكاسح في السلوك البشري.
لقد عجزت البيولوجيا التطورية الكلاسيكية، بتركيزها على مبدأ “البقاء للأصلح” (Survival of the Fittest) وتفسير السلوكيات عبر “الكلفة والمنفعة”، عن تقديم إجابة مقنعة لتفشي السلوكيات البشرية التي تبدو مدمرة ومضادة للتكيف (Maladaptive) على المستوى الجماعي. إن الحروب الجماعية، والإبادات المنهجية، والمخاطر البيئية الناتجة عن تضخم المنطق المجرد بدون فرملة عاطفية متوازنة، كلها ظواهر لا تتناسب مع مفهوم “التكيف” البسيط. هذا هو الفراغ المعرفي الذي ملأه كوسيلر بنظريته، وظل هذا الفراغ قائماً رغم مرور عقود على طرحه.
في ضوء ما سبق، تبرز ضرورة توجيه انتقاد شديد إلى البيولوجيا التطورية المعاصرة ومدارسها كافة. إن هذا المجال العلمي، رغم تقدمه الهائل في علم الجينات والبيولوجيا العصبية، يواصل تجاهل المعضلة الكبرى التي أشار إليها كوسيلر بجرأة.
إن عجز المدارس التطورية عن مواصلة البحث في هذا “الخلل التنظيمي”، وتقديم نظرية بديلة متماسكة تفسر التناقض العميق في السلوك الإنساني الذي يتعارض مع ماضيه التطوري (أي تفسير كيف أدى التطور إلى خلق كائن قادر على تدمير نفسه)، هو بمثابة تخلٍّ عن المسؤولية المعرفية. إن البيولوجيا التطورية، وهي تسعى لتفسير كل شيء في الطبيعة البشرية عبر آليات التكيف، تترك الفجوة التي وصفها كوسيلر مفتوحة.
إن الإرث المعرفي لكوسيلر يمثل تحدياً دائماً للبيولوجيا التطورية: إما أن تقدم تفسيراً لتلك الفجوة الهائلة بين عبقرية الإنسان وجنونه، وإما أن تعترف بأن التطور، في حالة النوع البشري، لم يكن مساراً مثالياً بل عملية تركت “شبحاً” متناقضاً يسكن “آلة” فائقة الذكاء، مهدداً وجودها ذاته. إن مواجهة هذا التحدي هي أول خطوة نحو فهم أعمق وربما أكثر تواضعاً لحقيقة الإنسان التطورية.
