الخلل التطوّري في الدماغ البشري… آرثر كوسلر من منظور الميتابايولوجيا

من بين المفكّرين الذين حاولوا تفسير التناقض الجوهري في السلوك الإنساني، يبرز آرثر كوسلر بوصفه واحدًا من أكثر الأصوات جرأة في نقد السردية التطورية التقليدية. ففي كتابه The Ghost in the Machine، ذهب كوسلر إلى أن الإنسان لا يحمل دماغًا مكتملًا تطوريًا، بل دماغًا “معلولًا” من الداخل، يتكوّن من طبقات عصبية لم تندمج في منظومة واحدة كما تتطلبه عملية التطور الطبيعي.
يعتقد كوسلر أن الدماغ البشري يتكوّن من ثلاث طبقات: جذع الدماغ: المسؤول عن الوظائف الحيوية والغريزية، الجهاز الحوفي: مركز الانفعالات، القشرة الحديثة: التي أنتجت الوعي واللغة والتجريد. لكن هذه الطبقات، بدل أن تتناسق كما يحدث في الأحياء الأخرى، بقيت منفصلة ومتضاربة، مما جعل الإنسان: أكثر الكائنات نزوعاً للعدوان غير الضروري، وأكثرها ميلًا لتدمير نفسه وبيئته، وأكثرها قابلية للقلق والانفصال الداخلي، وأقلها قدرة على العيش وفق منطق الغريزة. هذا التشخيص الصادم كشف فجوة حقيقية في النموذج التطوري الكلاسيكي.
على الرغم من عشرات الانتقادات التي وُجّهت لأفكار كوسلر، لم تستطع أي مدرسة تطورية أن تقدّم تفسيرًا متماسكًا للسمات المتناقضة في الإنسان: لماذا يقتل لأسباب رمزية؟ لماذا يعاني من صوت داخلي يعارضه؟ لماذا يتصرّف ضد مصلحته التطورية؟ لماذا يبتكر الشرّ المجاني؟ ولماذا يملك “أنا” متضخّمة غير موجودة عند الحيوان؟. هذه الأسئلة كشفت حدود البيولوجيا التطورية وعجزها عن فهم الإنسان من الداخل.
تتقاطع المقاربة الميتابايولوجية والتحويلة التطورية مع تشخيص كوسلر في نقطة أساسية: الإنسان خرج عن النسق الحيواني بطريقة لا يفسّرها التطور التقليدي.
لكن المقاربة الميتابايولوجية تذهب أبعد:
عند كوسلر فإن الخلل ناتج عن “سوء التحام” بين طبقات الدماغ. بينما من منظور الميتابايولوجيا فإن هذا الخلل ناتج عن تحويلة تطورية؛ حدثٌ ميتابايولوجي انقطعت فيه النفس الإنسانية عن الماضي الحيواني، وظهرت طبقة نفسية جديدة: إرادتان، صوتان داخليان، ضمير، تضخم ذات، قدرة على فعل الشر، انقسام في الوعي، خروج كامل عن منطق الغريزة.
إن ما رأى فيه كوسلر “عطبًا تطوريًا” هو، في الواقع، نتيجة مباشرة لظهور “الطبقة النفسية الميتابايولوجية” التي لا مكان لها في العالم الحيواني.
لقد كان كوسلر محقًا في تشخيص الخلل، لكنه لم يستطع تفسير “أصل” هذا الخلل.
أما مشروع الميتابايولوجيا فيقدّم إجابة أعمق: الإنسان ليس استمرارًا للحيوان ولا مجرد مشروع تطوري ناقص. الإنسان كائن خرج من النظام الحيواني إلى نظام ميتابايولوجي جديد، سواء أقرّت البيولوجيا التطورية بذلك أم لم تُقر.

أضف تعليق