
لو تُرِكَ الأمرُ لخيالِ الإنسان، وحُسنِ ظنّه بقدرةِ عقلِه على سبرِ أغوارِ الوجود، لَما كان لطموحِه المعرفي حدٌّ ولا استعصى على عريضِ آمالِه حلُّ أيِّ لغزٍ من ألغازِ هذا العالَم. فالإنسانُ جُبِل على المبالغةِ والمغالاة ما تعلَّق الأمرُ بأحكامِه على نفسِه وعلى الآخرين. وكيف لا يبالغُ الإنسانُ في تعظيمِ قدراتِ عقلِه وهو الذي قُدِّر له أن يتمتعَ بالمقدرةِ الفذة على إبداعِ “أحلامِ يقظة” لا تكاد تدَع فكرةً من أفكارِه إلا ومازجتها بكيفيةٍ تمثل قدرةُ الإنسانِ على التفريقِ بين حظِّ الخيالِ منها وحظِّ الحقيقة الفارقَ الجوهري بين العبقري المبدع وبين الذي يأبى أن يفيقَ من السرابِ الجميل.
ولذلك يعجز الإنسان عن القيامِ بصياغةِ الحدود المعرفية التي لم يُقدَّر له أن يتعداها، ولذلك أيضاً يتوهم الإنسان أنَّ بمقدورِه أن يحيطَ عِلماً بالكونِ وبنظامِه المسيِّرِ له والمنظِّمِ لوقائعِه وأحداثِه. ولأن الإنسانَ يأبى أن يُخضِعَ عقلَه للواقع، بمنطقِه وقوانينِه، فإنَّ اللهَ تعالى هو مَن تكفَّلَ بأن يُبيِّنَ له الحدودَ التي لم يُخلَق ليجتازَها بعقلِه. وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (4- 5 العلق). فالقلمُ هنا هو القلمُ الإلهي الذي خُطَّت به الصحفُ التي أنزلَها اللهُ تعالى على مَن اصطفاهم من عبادِه ليبلِّغوا آياتِه ورسالاتِه التي فصَّلَ فيها ما ينبغي على الإنسان أن يختارَه طوعاً، بإراداتِه ومن تلقاءِ نفسِه، وليس كَرهاً وإجباراً واضطراراً. فصحفُ اللهِ تعالى، التي أنزلَها على أنبيائِه المُرسَلين، فصَّلت للإنسانِ من العِلمِ ما لم يكن ليُحيطَ به بعقلِه. فالإنسانُ مهما اجتهد بعقلِه فلن يكونَ بمقدورِه أن يتبيَّنَ أنَّ له إلهاً خالقاً لا يحتاجُ مَن يُعينُه في تدبيرِ شؤونِ خَلقِه، وأنَّ هنالك يوماً سيُحشَرُ فيه الناسُ جميعاً ليُجزَوا على ما كان منهم في حياتِهم قبله، وأنَّ في العالَمِ كائناتٍ أخرى تراه من حيث لا يراها، وأنَّ له نفساً إن أطاعها أضلَّته وإن عصاها صارت طوعَ أمرِه، وأنَّ من بين تلك الكائناتِ التي تراه ولا يراها شيطاناً مَريداً أقسمَ ليغوينَه وليضلنَّه ويجعل مصيرَه الخلودَ في الجحيم.
كما وفصَّلت صحفُ اللهِ تعالى، التي أنزلَها على أنبيائِه المُرسَلين، من الحقائق ما بمقدورِ الإنسانِ أن يستعينَ بها ليتعلمَ كيف يكون التواضع الحق الذي يكفلُ له أن يعلمَ عِلمَ اليقين أنه لم يؤتَ من العِلمِ الغيبي إلا قليلاً: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (من 85 الإسراء). فالعِلمُ هنا هو ليس كما يظنُّ الكثيرون الذين يتوهمون أنه العلمُ القائمُ بالأسباب التي لا قيامَ لعالَمِنا إلا بها. فهذا العِلمُ هو ليس العلمَ الذي علَّمَه اللهُ تعالى لأبي البشرِ آدم، والذي ما كان له أن يعلمَه لولا ذلك التعليم الإلهي: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) (من 37 البقرة).
يتبينُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ المعرفةَ البشرية قد وضعَ اللهُ تعالى لها حدوداً أنطولوجية تتعالى على كلِّ ما هو أبستمولوجي. فالمعرفةُ التي قُدِّرَ للإنسانِ أن يحظى بها بعقلِه تحدِّدُها أسبابُ “عالَمِ الأسباب” ذات الصلة. أما ما غُيِّبَ عن الإنسانِ تبيُّنُه وإدراكُه، فهو كلُّ عِلمٍ يتعالى على “عالَمِ الأسبابِ” بسببٍ من كونِه يخصُّ عالَمَ “كن فيكون” الذي لن يحيطَ الإنسانُ عِلماً بشيءٍ منه إلا بما شاء الله: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (4- 5 العلق)، (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا).
