
من بين المفكّرين الذين حاولوا أن يفكّكوا اللغز الأعظم في تاريخ الإنسان، لغز تناقضاته السلوكية، يبرز آرثر كوسلر باعتباره أحد أكثر الأصوات جرأة وعقلانية في آن واحد. فحين اكتفت البيولوجيا التطورية التقليدية بتقديم سرديات مبسّطة عن الانتقاء الطبيعي واصطفاء الصفات المفيدة، ذهب كوسلر خطوة أبعد، كاشفًا عن “خلل تطوّري” عميق في الدماغ البشري لا يمكن تفسيره بالقوانين الداروينية. وفي كتابه الشهير “الشبح في الآلة” “The Ghost in the Machine” صاغ كوسلر نقدًا راديكاليًا للفرضية التطورية المعيارية، وبيّن أن الدماغ الإنساني ليس جهازًا متجانسًا تطوّر بسلاسة، بل هو تركيب غير مكتمل، بل ويعاني من عطب هيكلي يكفي لتفسير الكثير من الانحرافات السلوكية التي لا تفسير لها في الإطار التطوري التقليدي.
انطلق كوسلر من فرضية بسيطة ولكنها، كما أثبت لاحقًا، صادمة علميًا مفادها أن الدماغ البشري ليس نتاج تطور متدرج سلس، بل نتاج تراكم طبقات عصبية لم تندمج وظيفيًا بشكل صحيح. فالقشرة الحديثة (neocortex)، المسؤولة عن التفكير والتخطيط واللغة، بقيت معلّقة فوق الجهاز الحوفي (limbic system) والساق الدماغية القديمة (brain stem)، دون أن يتم دمجها بآليات محكمة كما تتطلبه البنية التطورية الطبيعية.
هذا “الفصل البنيوي”، أو ما سمّاه كوسلر “مشروعًا هندسيًا فاشلاً”، هو ما يفسر: النزعة للعدوان غير الضروري، قابلية الإنسان لخلق أنظمة تدميرية واسعة (حروب، إبادة، أسلحة)، المعاناة النفسية والقلق المزمن، انفصال الوعي عن الدوافع الغريزية، غياب الانسجام بين العقل والعاطفة. هذه ليست مجرد ملاحظات نفسية، بل أطروحة فسيولوجية–تطورية نقدية لبنية الدماغ ذاته.
وُجّهت لكوسلر عشرات الانتقادات، أغلبها تنتمي إلى مدرسة “التفسير التطوري التقليدي” التي لا ترى في الدماغ سوى نتيجة انتقاء تدريجي. لكن هذه الانتقادات فشلت لسبب جوهري لأنها لم تقدّم أي نموذج بديل يفسّر التناقض البنيوي في السلوك الإنساني. فهي لم تستطع تفسير: لماذا يدمّر الإنسان بيئته بينما لا تفعل الحيوانات ذلك؟ لماذا يتصرّف الإنسان ضد بقائه؟ لماذا يقتل من أجل الهوية أو الأفكار أو الكبرياء؟ لماذا ينهار نفسيًا رغم امتلاكه أعلى القدرات المعرفية؟ لماذا يظهر “صوت معارض” داخل النفس (الضمير / الأنا الأخرى)؟. في كل هذه الأسئلة، ظلّ كوسلر أكثر صدقًا وجرأة من البيولوجيا التطورية المعاصرة.
بعد مرور نصف قرن على طرح كوسلر، لا تزال المدارس التطورية—الداروينية الجديدة، السلوكية التطورية، الانتقاء القرابي، علم النفس التطوري—تعجز عن تقديم تفسير شامل يربط بين: ماضي الإنسان الحيواني، وسلوكه المتناقض ووعيه المعقّد، ونزعته التدميرية، وظهور الضمير، وازدواج الإرادة، واستعداده الدائم للعنف. إن تجاهل “الخلل البنيوي” الذي أشار إليه كوسلر جعل علم الأحياء التطوري يراوح مكانه، ولا يزال عاجزًا عن الإجابة عن السؤال المركزي: كيف ظهر هذا الإنسان الذي يناقض ماضيه التطوري في كل سلوكياته الجوهرية؟
تكمن عبقرية كوسلر في أنه تجاوز “أدبيات التطور” التقليدية وفتح الباب أمام قراءة نقدية عميقة للعقل البشري باعتباره كيانًا غير مكتمل تطوريًا. أما إخفاق البيولوجيا التطورية المعاصرة فهو في فشلها: في نقد ذاتها، وفي تطوير رؤية بديلة، وفي الاقتراب من الجرأة التي امتلكها كوسلر في تفسير السلوك الإنساني من منظور تطوري متسق. وهكذا يظلّ الطرح الكوسلري حجر زاوية، لم يتجاوزه أحد، ولم تستطع أي مدرسة تطورية أن تقدم بديلاً عنه.
