
تتقاطع حول إشكالية “الدماغ البشري” ثلاثة أسئلة كبرى:
• كيف نشأ هذا العضو تاريخيًا؟ (السردية الداروينية)
• كيف صار حاملًا لوعي وقيم وصراع داخلي؟
• لماذا ينتج عنه هذا القدر من التناقض والعنف الذاتي والعدوان على الآخرين؟
طرح آرثر كوسلر في كتابه The Ghost in the Machine، أطروحة جذرية مفادها أن الدماغ الإنساني ليس ثمرة تطور سلس، بل “تركيب سيّء” ناتج عن تراكب طبقات دماغية غير منسجمة وبُنى بدائية قديمة مع قشرة دماغية حديثة، مع وصلات عصبية غير كافية وغير مُحكَمة، تسمح للطبقات البدائية أن تعصف أحيانًا بسيطرة القشرة المنطقية، فتفسّر بذلك التناقضات والعنف واللاعقلانية في السلوك الإنساني. وهذه الفكرة هي تشخيص خلل تطوري بنيوي في الدماغ. وهو ما تسعى هذه المقالة لمقارنته مع مقاربات مفكرين آخرين، ثم تبيّن موقع “الميتابايولوجيا” منها، وكيف تذهب خطوة أبعد من “خلل في الدماغ” إلى “حدث ميتابايولوجي” أصاب الدماغ البشري وغيّر موقع الإنسان من الوجود.
يستعير كوسلر نموذج الدماغ الثلاثي (Triune Brain) الذي طوّره بول ماكلين لاحقًا: دماغ زاحفي بدائي، ودماغ ليمبي عاطفي، وقشرة عليا عقلانية. ويضيف إليه فكرة أن التطور “رتّق” الطبقات على بعضها بلا إعادة تصميم جذرية، فنتج عن ذلك وصلات عصبية غير فعالة بين “العقل الأعلى” و”المستويات الأدنى” مما أدى الى استقلالية جزئية للطبقات البدائية تسمح بالتمرد على السيطرة العقلانية؛ الأمر الذي ادى لأن يصبح الدماغ البشري مَعيب تطوريًا، وهذا العيب يكفي لتفسير: العنف اللامعقول، السلوك التدميري الذاتي والجماعي، التناقض بين ما “نعرف أنه صواب” وما “نفعل بالفعل”.
يعتبر كوسلر أن السردية الداروينية الاختزالية تفشل في تفسير هذه الازدواجية والعنف، لأنها تفترض انسجامًا وظيفيًا بين البنى الدماغية وتفترض أن كل سمة رُشّحت لأنها مفيدة تكيفيًا. ولقد اقترح كوسلر بديلًا داخل الإطار التطوري نفسه، لكنه غير دارويني خالص: تطور “غير ناجح” جزئيًا، فيه عناصر خطأ أو “سوء تصميم”.
بينما يرى بول ماكلين، صاحب نظرية الدماغ الثلاثي، أن الدماغ الإنساني مكوّن من ثلاث طبقات تطورية:
• المركّب الزاحفي (Reptilian Complex): سلوكيات غريزية، إقليمية، نمطية.
• المركّب الحوفي/الليمبي (Paleomammalian): العواطف، الارتباط، الرعاية.
• القشرة الجديدة (Neomammalian): التفكير الرمزي، اللغة، التخطيط.
ملاحظته الجوهرية: هذه الطبقات يمكن أن تعمل باستقلال نسبي عن بعضها، وتتعارض أحيانًا. لكنه، بعكس كوسلر، لا يصف ذلك بأنه “خلل”، بل نتيجة طبيعية لتراكم تاريخي في البناء الدماغي.
إذاً، ماكلين يعطي النموذج التشريحي، وكوسلر يمنحه قراءة قيمية-سلوكية راديكالية: هذا التراكم ليس مجرد تمايز، بل خلل.
ولقد قدم ستيفن جاي غولد نقدًا قويًا لسردية “التكيف لكل شيء” في البيولوجيا التطورية. فلقد طرح فكرة التوازن المتقطع (Punctuated Equilibria): التطور لا يسير في خط بطيء مستمر، بل يقف طويلًا ثم يقفز فجأة، وطرح مفهوم السقائف / Spandrels: كثير من السمات ليست نتيجة انتقاء مباشر، بل “منتجات جانبية” لبنى أخرى. منطقه هذا يسمح بأن:
بعض وظائف الدماغ ووعي الإنسان قد تكون “منتجًا جانبيًا” وليست ميزة تكيفية مباشرة. ومع ذلك، غولد لا يقول بأن في الدماغ خللًا بنيويًا، ولا يربط بين البنية الدماغية والتناقضات الأخلاقية والعدوان كما فعل كوسلر. نقده يظل على مستوى المنهج التطوري العام، لا تشريح الدماغ ولا تشخيص “عيب” محدد فيه.
ولقد طرح نيكولاس همفريةفي كتابه الشهير “تأريخٌ للعقل” A History of the mind رؤية ترى أن الوعي ليس بالضرورة ميزة تطورية واضحة، بل قد يكون “ثمنًا إضافيًا” لآليات إدراكية أخرى، أو وظيفة ثانوية نشأت فوق بنى عصبية أقدم.
هو يقترب من كوسلر في نقطة واحدة: يلمّح إلى أن الوعي ليس “انتصارًا تكيفيًا” خالصًا، بل شيئاً زائداً أو مربكاً. لكنّه لا يتحدث عن “دماغ مَعيب”، ولا يربط بين الوعي والعدوان والتناقض الأخلاقي كدليل على خلل في البنية الدماغية.
ولقد اقترح توماس ناغل في كتابه: “العقل والكون: لماذا ينبغي أن نعتبر المفهوم المادي للداروينية الجديدة للطبيعة شبه مستحيل”Mind and Cosmos: Why the Materialist Neo-Darwinian Conception of Nature Is Almost Certainly False أن التصوّر المادي النيو-دارويني للطبيعة “شبه مستحيل” في تفسير العقل والوعي والقيم. فهو يرى أن “العقل” بُعد أساسي في الطبيعة، لا يمكن اختزاله إلى المادة البيولوجية وحدها. لكن نقده فلسفي-ميتافيزيقي فهو يهاجم الإطار التفسيري العام، ولا يقدّم تشخيصًا للدماغ كبنية “مختلّة”، ولا يسعى إلى تفسير مفصّل للعدوان والتناقض السلوكي، ولكنه يقترح أننا نحتاج إلى مبادئ أخرى مضافة إلى الداروينية، غير أنه لا يقدم نموذجًا أنطولوجيًا مكتملًا لماهية النفس والوعي ولا لما حدث تاريخيًا في دماغ الإنسان.
ولقد قدم كونراد لورينز في كتابه الشهير “حول العدوان” On Aggression، أطروحة مفادها أن العدوان سمة تطورية طبيعية في الحيوانات، وظيفتها الدفاع عن الإقليم وتنظيم العلاقات داخل النوع.
لكنه يؤكد أن الإنسان حالة خاصة؛ إذ استطاع بفضل قدراته العقلية والتقنية أن يضاعف قوة عدوانه بدرجة لا تتناسب مع “الضوابط الحيوانية”، فينتج عن ذلك عدوان “مفرط” أو “غير مضبوط”. رؤيته مهمة لأنها تؤشر إلى شرخ بين الضوابط الحيوانية والوسائل الإنسانية، ولكنها ترجع الخلل إلى انفصال التكنولوجيا عن الضوابط الغريزية، وليس إلى عيب تطوري في بنية الدماغ ذاتها.
ثامنًا: روجر بينروز – حدود الحساب والوعي خارج الداروينية
ولقد جادل روجر بينروز في كتابه “العقل الجديد للامبراطور” The Emperor’s New Mind وكتابه “ظلال العقل” Shadows of the Mind بأن الوعي البشري لا يمكن اختزاله إلى حسابات خوارزمية أو إلى نموذج مادي-دارويني خالص. يقترح أن هناك جانبًا من الوعي مرتبطًا بعمليات فيزيائية عميقة (كمومية) لا نفهمها بعد. هو إذاً، ينقد الاختزال المادي والدارويني للعقل، دون أن يطرح تصورًا عن “حدث تطوري معيب”، أو “انقطاع في المسار الحيواني”، أو تفسيرًا مباشرًا لتناقضات السلوك والعدوان.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم بيانه، أن آرثر كوسلر هو حالة فريدة لأنه يجمع بين نموذج تشريحي (مستند إلى ماكلين)، وقراءة سلوكية للعدوان والتناقض، وحكم قيمي واضح بأن ما حدث هو نوع من “العطب التطوري”. لكن مع ذلك، كوسلر يظل داخل أفق بيولوجي-تطوري (مع توسيعه وتأويله)، ولا يتحدّث عن تحويلة أنطولوجية في ماهية النفس ذاتها.
وهنا يأتي دور “الميتابايولوجيا والتحويلة التطورية”.
تنطلق المقاربة الميتابايولوجية من فرضية أساسية مفادها أن الإنسان لم يَسر في تطوره سيرًا خطيًا خاضعًا بالكامل لقوانين الانتقاء الطبيعي، بل شهد تحويلة تطورية ميتابايولوجية: حدثٌ انقطعت عنده استمرارية المسار الحيواني، وظهرت معه طبقة نفسية جديدة لا تُختزل إلى البايولوجيا ولا تُفهم بوصفها “نفساً مفارقة” بالمعنى الميتافيزيقي التقليدي.
وفيما يلي بعض محاور هذه الأطروحة الجديدة:
• النفس البشرية ليست فعالية عصبية صرفة ولا جوهرًا ميتافيزيقيًا خالصًا، بل كيان “متجاوز-متجسّد” ولد عن هذا الحدث الميتابايولوجي.
• ظهور “إرادتين” في الإنسان (صوتين داخليين)، ما يفسّر: الصراع بين ما يعرفه عقلُه وما تفعله نفسُه، وتفضيل الضرر أحيانًا مع العلم به، وظاهرة تضخّم الأنا وعبادة الإنسان لنفسه.
• التضخم المرضي للذات هو ليس انحرافًا سلوكيًا عرضيًا، بل أثر بنيوي للحدث الميتابايولوجي، يميّز الإنسان عن الحيوان من حيث القدرة على الانحراف عن ما فيه نفعه التطوري، القدرة على تبرير الشر، والتلذذ بالإفساد.
إن ما تقدم بيانه وتفصيله ليُحتم علينا وجوب إعادة كتابة الماضي التطوري للإنسان:
ترى هذه المقاربة أن السردية التطورية يجب أن تعترف بحدوث انقطاع نوعي لا يُستوعَب داخل “الطفرات التدرجية”، وأن يُقرأ هذا الانقطاع في ضوء المعطيات القرآنية والفلسفية والعصبية معًا.
وفيما يلي بيانٌ بأبرز الفروقات الجوهرية بين المقاربة الميتابايولوجية وباقي المقاربات:
أ. مقارنة مع كوسلر:
نقاط التقاطع: الاعتراف بأن السردية الداروينية غير كافية لتفسير التناقض الإنساني الداخلي، والعنف، والعدوان، واللاعقلانية المتكررة. الإشارة إلى أنه وخلال المسيرة التطورية للجنس البشري قد حدث “شيئٌ معيبٌ” أو “غير منسجم” مع الخط التطوري العام.
نقاط الاختلاف الجذرية:
فبينما يرى كوسلر أن موضع الخلل هو في الدماغ بوصفه جهازًا عصبيًا مركّبًا سيئًا، فإن الميتابايولوجيا ترى أنه خللٌ في الطبقة النفسية التي نشأت عن حدث ميتابايولوجي، وأن الدماغ حاملٌ وتجسيدٌ ماديّ لهذا الشرخ، وليس موطنه النهائي.
وفيما يخص طبيعة الحدث وإن كان هو خطأً تطورياً او تحويلة تطورية، فإن الأمر من وجهة نظر كوسلر أشبه بـ “خطأ هندسي” في عملية التطور. بينما ترى الميتابايولوجيا بأنها تحويلة أنطولوجية مقصودة في بنية الإنسان، تُفسَّر ضمن: قراءة قرآنية لمفهوم النفس والابتلاء، وأفق فلسفي-أنثروبولوجي يتجاوز “الخطأ الآلي”.
وفيما يخص الأخلاق والمعنى، فعند كوسلر: فإن الأخلاق هي نتيجة الصراع بين طبقات الدماغ؛ وهو بذلك لا يقدّم إطارًا متماسكًا للمعنى الأخلاقي العام. أما في الميتابايولوجيا: فإن الأخلاق هي جزءٌ من معمار هذا الحدث نفسه، والازدواجية هي ليست عرضًا، بل مسرحًا لفاعلية الإرادتين، وهذا المسرح هو الذي يمنح التاريخ الإنساني دلالته (الابتلاء، المسؤولية، الإمكانية المفتوحة للارتقاء أو السقوط).
ب. مقارنة بين البايولوجيا التطورية وما ذهب اليه كلٍ من ناغل وبينروز
فبينما يرفض كلٌ من ناغل وبينروز ان يكون المذهب النيو-دارويني كافياً لتفسير العقل والوعي، ويطالبان بإضافة (مبادئ جديدة، فيزياء جديدة، رؤية ميتافيزيقية مختلفة)، فإن الميتابايولوجيا توافقهما الرأي بضرورة تجاوز الاختزال المادي، والإقرار بأن العقل/النفس لا تحتمل تفسيرًا داروينيًا خالصًا، ولكنها تختلف عنهما بكونها تقدم سيناريو تاريخياً محدداً: “تحويلة تطورية” في ماضي الإنسان، وليس مبدأً نظرياً مجرداً.
كما أنها تقدم نصوص الوحي (القرآن) كـ معطى معرفي، لا كعنصر روحي هامشي:
مفهوم “النفس ذات الإرادتين”، “شح النفس”، “الهَوَى”. وهذه كلها تشكّل مفاتيح تفسيرية للحدث الميتابايولوجي.
ج. مقارنة الميتابايولوجيا مع غولد، همفري، لورينز، ماكلين
فبينما يفتح غولد الباب للاعتراف بأن سمات الإنسان ليست كلها “تكيفات مفيدة”، بل قد تكون “سقائف”، فإن الميتابايولوجيا توافقه الرأي وتضيف أن ما حدث للنفس والدماغ أكبر من “سقيفة” بل إنّه تحويلة في نمط الوجود.
وبينما يرى همفري أن الوعي زائد أو غير واضح الفائدة، فإن الميتابايولوجيا ترى ان الوعي زائد بيولوجيًا، ولكن له وظيفة أنطولوجية-أخلاقية في مشروع الإنسان.
فيما يشخص لورينز انفلات العدوان، لكنه يظل داخل نموذج “الغريزة”. أما الميتابايولوجيا فإنها ترى العدوان انعكاساً لـ تضخم ذاتي ميتابايولوجي لا وجود له عند الحيوان.
وبينما قدم ماكلين البنية التشريحية للدماغ الثلاثي، فإن الميتابايولوجيا تستفيد من هذا النموذج، ولكنها تقرأ الطبقة العليا (النفس/الوعي الأخلاقي) كـ “إضافة أنطولوجية” لا كطبقة عصبية فقط.
والآن ما الذي تضيفه الميتابايولوجيا إلى النقاش العلمي-الفلسفي المعاصر؟ بالإمكان صياغة الإجابة في نقاط مركّزة:
1. نقلة من نقد الداروينية إلى تقديم نموذج بديل متكامل: معظم المفكرين السابقين إمّا أنهم ينتقدون بعض فرضيات الداروينية، أو يشيرون إلى حدودها، أو يقترحون إضافة مبدأ غامض، بينما تقدم الميتابايولوجيا حدثًا بعينه (تحويلة تطورية)، بنية نفسية محددة (إرادتان، تضخم ذات، صراع داخلي)، خريطة مفهومية تربط بين: البايولوجيا، والنص القرآني، والفلسفة، وعلم الأعصاب.
2. تحويل سؤال “الخلل الدماغي” إلى سؤال عن “الأصل الأنطولوجي للنفس”:
عند كوسلر فإن المشكلة تكمن في “سوء هندسة” الدماغ، بينما في الميتابايولوجيا فإن الدماغ حاملٌ لتصدّع أعمق هو تصدّع النفس نفسها، التي نشأت عن حدث ميتابايولوجي، تفسير منسجم لثلاثية: العنف، تضخم الذات، الازدواجية الأخلاقية: البايولوجيا التطورية التقليدية تجد صعوبة في تفسير: لماذا يدمر الإنسان نفسه وبيئته بهذا القدر؟ لماذا يتصرف ضد مصالحه الطويلة الأمد؟
الميتابايولوجيا تفسّر ذلك بوصفه نتيجة تضخم ذاتي ميتابايولوجي، في كائن يحمل إرادتين متصارعتين، لا غريزة واحدة منظّمة.
إدخال النص القرآني بوصفه “معطى تفسيري” وليس مجرد إسناد ديني:
لا يُستشهد بالآيات كشواهد وعظية، بل كنص يقدم توصيفًا دقيقًا لبنية النفس (هوى، شح، فؤاد، صدر، قلب…)، يمكن مواءمته مع المعطيات العصبية والسلوكية،
لتشكيل نموذج معرفي جديد يتجاوز “المادي” و”الميتافيزيقي” التقليديين معًا.
