القرآنُ كلامُ اللهِ وكلماتُه

تتمايزُ الكلمتان القرآنيتان “كلام” و”كلمات” فيما بينهما في المبنى، فهل تتمايزان في المعنى أيضاً؟
يعين على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نتدبَّرَ مواضعَ ورودِ كل من “كلام” و”كلمات” في القرآنِ العظيم. فـ “كلام الله” ينطوي على معانٍ ثلاث، وذلك وفقاً للسياق الذي ترد فيه. المعنى الأول: صوت الله الذي سمعه النبي موسى حين كلَّمه اللهُ تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (من 164 النساء)، (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي) (من 144 الأعراف).
أما المعنى الثاني، فهو النصُّ الإلهي المسموع توراةً كان أم زبوراً أم إنجيلاً أم قرآناً: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُون) (75 البقرة)، (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ( (من 6 التوبة).
أما المعنى الثالث، فهو يعني القانونَ الإلهي الذي لا يحيدُ مخلوقٌ عن شاملِ سلطتِه: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْل) (من 15 الفتح).
أما “كلماتُ الله”، فهي تأتي بمعانٍ ثلاث أيضاً: الأول هو القانونُ الإلهي المشار إليه أعلاه، وذلك كما في الآياتِ الكريمة التالية: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (34 الأنعام)، (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (63- 64 يونس). (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ. لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (من 7- 8 الأنفال). (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (109 الكهف). (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (27 لقمان). (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ) (من 24 الشورى). (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (12 التحريم). (فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ. وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (81- 82 يونس).
أما المعنى الثاني، فهو ذات المعنى الذي ينطوي عليه “كلام الله” بمعنى “النصُّ الإلهي المسموع”: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (37 البقرة). (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) (من 124 البقرة).
أما المعنى الثالث، فهو “النَّص الإلهي مسموعاً كان أم مقروءاً”: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ) (من 158 الأعراف).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّه وبينما تتمايزُ الكلمتان القرآنيتان “كلام” و”كلمات” عن بعضِهما في المبنى، فإنهما تتمايزان عن بعضِهما في المعنى أيضاً، وذلك لأن اللهَ تعالى قد اختصَّ “كلامَه” بالمعنى الذي انطوى عليه تحاورُه مع كليمِه النبي موسى، ولأنه أيضاً قد جعلَ لـ “كلماتِه” معنى انطوى عليه ما تلقاه منه كلٌّ من أبي البشر آدم وإبراهيم الخليل. وبذلك فالفرقُ الوحيد بين هاتين الكلمتَين القرآنيتَين هو ما يمثِّله تمايزُ تحاورِ اللهِ تعالى مع كليمِه موسى عن ما تلقاه آدمُ وإبراهيم منه من كلماتٍ من دون حوار.

أضف تعليق