
لم ينظر المتصوفة إلى الحروف على أنها وحدات لغوية ميتة، بل عدّوها أنفاسًا كونية تحمل “جواهر المعاني” قبل أن تحمل الأصوات. ومن بين تلك الحروف، احتلَّ حرف الباء مكانةً فريدة، لأنه الحرف الذي افتتح به اللهُ الوجودَ القرآني في قوله تعالى “بسم الله”. وقد ذهب بعض العارفين، كابن عربي، إلى أن نقطة الباء هي سرّ الخلق كلّه، وأنها المركز الذي عليه يستوي الوجود.
في المقابل، لا ينظر الغرب عادةً إلى الحروف بهذه الصيغة القدرية الماورائية، لكن فكرة الكون/Universe بوصفه “قوة تختار”، بدأت تتسلّل في الخطاب الروحي المعاصر، حتى أصبحت تنافس التصور الصوفي للقدر. وهنا تتولّد الفكرة التي مفادها هل يمكن أن تكون الباءات الثلاث في تاريخ الموسيقى الغربية (باخ وبيتهوفن وبرامز) مجرد مصادفات لغوية؟ أم أن الحرف الأول من أسمائهم، كما يقول المتصوفة، لم يُختر لهم اعتباطًا بل حُمل إليهم حملاً كما يُحمل القدر إلى صاحبه؟
يرى أهل العرفان أن الباء ليست حرفًا عادياً، بل هي: حرف الابتداء فكلّ شيء يبدأ من “الباء” في “بسم الله”، وهو حرف الجمع بين الأعلى والأسفل لأنها تنطوي على خطّ أفقي (الأرض) ونقطة (السرّ الإلهي)، ومرآة للخلق المعلَّق بين الإمكان والاختيار فالنقطة تحت الباء هي سرّ الوجود، وما فوقها هو الوجود المادي، وبوابة القَدَر لأنها، في المخيال الصوفي، موضعُ تنزّل الأقدار: “لو نُقِطَتِ الباءُ بنقطة غيرها، لكان الوجود غير الوجود”. هذا التصور الصوفي يفتح الباب لرؤية الأسماء البشرية ليس بوصفها “اختيارات عائلية”، بل بوصفها اختيارات قدرية محكومة بالحرف الأول الذي يصبح بصمة وجودية. ولنأخذ مثالاً على ذلك الباءات الثلاث، فعندما يشير تاريخ الموسيقى الكلاسيكية إلى “The Three Bs”، فهو يشير إلى (باخ Bach وبيتهوفن Beethoven وبرامز Brahms). هؤلاء الثلاثة هم الركائز الذهبية التي شكّلت العمود الفقري للموسيقى الغربية. الغريب أن فكرة “الثلاثية” هذه تتكرر عند المتصوفة أيضاً: ثلاث مراتب، ثلاث تجليات، ثلاث دوائر. لكن الأغرب من ذلك: الحرف الأول المشترك بينهم جميعًا: B. وهو نفس الحرف الذي يعادل الباء في العربية، وهو الحرف الذي يمنحه الصوفيّة مكانة خاصة. فهل هذا التماثل هو مجرد توافق لغوي؟ إذا أخذنا بالمنطق الصوفي فإن الاجابة عندها ستكون “كلا”. فالاسم عند الصوفيين قَدَرٌ مكتوب وليس اختيارًا عشوائيًا. تمامًا كما لم نختر آباءنا أو أماكن ولادتنا أو أزمنة ظهورنا. كذلك فنحن لم نختر حرف أسمائنا الأول.
من هذا المنطلق، تصبح الباءات الثلاث: تجلّيات موسيقية لحرفٍ واحد، و”مسارات قدرية” لموسيقيين اختيروا ليحملوا النقطة ذاتها، ويُنتجوا عبرها تراثًا موسيقيًا يقترب من “التسامي” الصوفي.
في كتاب المثلث الذهبي Golden Triangle الذي يناقش البناء المعماري للموسيقى الكلاسيكية، يُرمز إلى باخ على أنه نقطة الأصل والقانون والبنية الرياضية المنضبطة. وهذا يطابق تمامًا النقطة تحت الباء في التصوف. فكما أن النقطة هي أصل الحرف، كذلك كان باخ أصل الموسيقى الغربية المنضبطة وفقاً لنظام رياضي صارم. ويشهد على ذلك التناغم (الهارموني) والتضاد النغمي (الكونتربوينت) والبنية الرياضية المنصبطة (الفوجة). إنه صوت “القدر الموسيقي” قبل أن يكون صوت الإنسان.
إذا كان باخ هو النقطة، فإن بيتهوفن هو الخطّ فوقها، أي: الصراع والإرادة والاحتدام والتمرّد على النفس التي تجرأت على التمرد على القدر. يظهر حرف الباء هنا ليس كبداية هادئة، بل كبداية تفجر الوجود، وكأن النقطة حين خرجت من سكونها انقلبت عاصفة. وفي لغة الصوفيّة فإن بيتهوفن هو الباء وهي تتصارع مع هذه النفس المتمردة.
أما برامز، فيُنظر إليه في الفلسفة الموسيقية على أنه: المكمّل والعائد إلى الجذور والمصالحة بين البنية (باخ) والاحتدام (بيتهوفن). وهذا الترتيب يشبه ما يسميه المتصوفة مقامات السير: البداية (نقطة)، التمزق (خط)، الرجعة (تمام).
وبالتالي يصبح التثليث الموسيقي الغربي انعكاسًا لثلاثية صوفية كونية، محكومة بحرف واحد: الباء.
وهكذا نجد ان الحرف باء… حرفٌ يكتب القدر في لغات مختلفة. إنّ الرابط بين الباءات الثلاث في الموسيقى الغربية وبين الباء الصوفية ليس رابطًا لغويًا فحسب، بل هو: رابط ميتافيزيقي، قدري، رمزي، وكوني. فالحرف واحد، وإن اختلفت الأبجديات. والقدر واحد، وإن تعددت اللغات. والنقطة التي تحت الباء تظهر في الموسيقى كما تظهر في المعنى.
بهذا المعنى، تصبح “The Three Bs” صورة موسيقية حديثة لسرّ قديم، سرّ عرفه المتصوفة حين قالوا: “ما خرج شيءٌ من الباء إلا وفيه نقطةٌ من القدر”.
