الخطيئة الأصلية بين التطور الدارويني والنظرة القرآنية…. بحثاً عن علة التمرد البشري

لطالما مثلت نظرية التطور البيولوجي الدارويني تحدياً عميقاً للمفاهيم اللاهوتية التقليدية، لا سيما عقيدة “الخطيئة الأصلية” التي ترتبط تقليدياً بقصة سقوط  (آدم وحواء). يهدف هذا المقال إلى استقصاء محاولات التفسير الفلسفية واللاهوتية التي سعت لتكييف هذه العقيدة مع الإطار التطوري، مع التركيز على المقاربة المتميزة للفيلسوف واللاهوتي بيير تيار دو شاردان (Pierre Teilhard de Chardin)، وتقديم قراءة تفسيرية معاصرة لحادثة الشجرة في القرآن الكريم كـنقطة تحول بيولوجية-وجودية.

2. المقاربة الفلسفية الغربية: بيير تيار دو شاردان والتطور الغائي
واجه شاردان، كعالم حفريات وكاهن يسوعي، التحدي بشكل مباشر. لقد رفض التفسير الحرفي للخطيئة الأصلية كـحادثة تاريخية فردية، واستبدلها بفهم بنيوي وكوني متأصل في عملية التطور نفسها.
• الخطيئة كـ “ضريبة التكوّن” (The Price of Becoming):
• يرى شاردان أن الكون في حالة “تخلق كوني” (Cosmogenesis)، أي أنه يتطور باستمرار نحو تعقيد ووعي متزايدين.
• تحدث الأخطاء، والفشل، والتشتت، والموت كجزء حتمي وإحصائي من هذه العملية الطويلة والمعقدة.
• لذا، فإن الخطيئة الأصلية ليست لعنة مفروضة، بل هي النقص البنيوي اللازم لوجود أي كائن يتطور، طالما أنه لم يصل بعد إلى غايته النهائية وهي نقطة أوميغا (Omega Point) (الكمال والتوحد في الوعي الإلهي).
• الخطيئة في النوسفير:
• عندما يصل التطور إلى مرحلة النيوسفير (غلاف الوعي)، تظهر الخطيئة بشكلها الأخلاقي كـسوء استخدام للحرية.
• الخطيئة هي الاختيار الحر للانفصال والتراجع عن مسار التوحيد والتمركز الذي يقوده التطور نحو الأمام، والانغماس في “الأنانية” بدلاً من “الاتحاد الكوني”.
3. مقاربة التطور الدارويني للشر البيولوجي
بعيداً عن اللاهوت المسيحي، قدمت المدارس الداروينية الحديثة تفسيرات تتقاطع مع فكرة الخطيئة الأصلية كـعائق بيولوجي داخلي:
• الشر كـ “بقايا التكيف”: يرى علماء النفس التطوري أن بعض الميول التي نعدها اليوم “شراً” أو “خطيئة” (مثل العدوانية، والأنانية المطلقة، والميل للهيمنة) هي في الأصل تكيفات ضرورية للبقاء في بيئة ما قبل الحضارة (صراع البقاء).
• الخطيئة كـ “صراع التطور المزدوج”: الخطيئة هي الصراع الداخلي بين العقل الواعي المتطور الذي يسعى للتعاون الأخلاقي، وبين الغريزة القديمة التي لا تزال تعمل بمنطق البقاء الفردي أو القبلي الضيق.

النظرة القرآنية: حادثة الشجرة كـ “قفزة الوعي المتجاوز”
في السياق الإسلامي، لا توجد عقيدة “الخطيئة الأصلية” الموروثة بالمعنى المسيحي، لكن حادثة أكل آدم وزوجه من الشجرة تشكل منعطفاً حاسماً في الوجود البشري وعلة الـهبوط إلى الأرض.
• الشجرة كرمز للحدود:
• الشجرة المحرمة (في سورة البقرة وغيرها) يمكن تفسيرها ليس كـأمر تعسفي، بل كرمز للـالحدود الطبيعية التي يجب أن يلتزم بها الإنسان ليبقى في حالة انسجام متكامل مع “الطبيعة” (الجنة كرمز للحالة الطبيعية الأولية).
• قد تمثل الشجرة الوعي المفرط أو المعرفة التي تتجاوز حدود الاحتياج البيولوجي.
• الأكل كـ “تفعيل الوعي المتمرد”:
• تفسير معاصر يرى أن “الأكل من الشجرة” يرمز إلى اللحظة التي فيها تجاوز وعي الإنسان حدوده الطبيعية المشتركة مع باقي الحيوانات.
• الحيوان يلتزم بقوانين الطبيعة؛ يأكل بقدر حاجته، ويقتل بدافع الغريزة أو البقاء، ولا يتعدى حدوده البيولوجية.
• أما الإنسان، فبـ”الأكلة القدرية” تلك، اكتسب وعياً وقدرة على التمرد الفكري على تلك القوانين. بدأ يكدس أكثر مما يحتاج، يقتل بدافع السلطة والرمزية، ويطغى في الأرض. هذه هي بداية “الخروج على الطبيعة”.
• الهبوط وبداية المسؤولية:
• الآية: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) [البقرة: 38] لا تعلن عن لعنة، بل عن تحول وجودي إلى عالم المسؤولية والاختيار؛ عالم يكون فيه الإنسان قادراً على تجاوز الحدود (الطغيان) أو اتباع الهدى (الالتزام الأخلاقي).
الخطيئة كـ “مسؤولية التجاوز”
سواء فُسرت الخطيئة الأصلية كـنقص بنيوي حتمي (تيار دو شاردان) أو كـتفعيل لوعي التجاوز (المقاربة القرآنية المعاصرة)، فإن النتيجة واحدة: انفصال الإنسان عن الانسجام الطبيعي المطلق وبداية مسيرته التاريخية والأخلاقية.
التطور الدارويني لا ينفي “الخطيئة”، بل يعيد تعريفها: لم تعد خطأً فردياً، بل هي حالة وجودية معقدة تنشأ عن امتلاك الكائن لـحرية التمرد على قوانين طبيعته البيولوجية والاجتماعية. لقد خرج الإنسان على الطبيعة بوعيه، ولن يعود إلى الجنة إلا بالالتزام بالهدى وإعادة بناء الانضباط الأخلاقي.

أضف تعليق