الخلل التطوّري للدماغ البشري بين آرثر كوسلر والحدث الميتابايولوجي

.لم يعد اللغز الإنساني اليوم محصورًا في سؤال الوعي وحده، ولا في سؤال العاطفة أو الأخلاق أو العدوانية؛ بل في ذلك التناقض البنيوي الذي يغلّف السلوك البشري بكامله. فالإنسان، على عكس الحيوان، هو الكائن الوحيد الذي يبدو وكأن تطوّره لم يكتمل، أو اكتمل بطريقة غير متسقة مع ماضيه الحيواني. وعلى الرغم من تراكم المدارس التطورية الحديثة، لم تتمكن أيٌّ منها من تقديم تفسير متماسك لظهور هذه التناقضات التي أصبحت، بمرور الزمن، سمة إنسانية صلبة. من بين الأصوات التي حاولت النفاذ إلى هذا اللغز، يبرز آرثر كوسلر الذي قدّم، في كتابه الشهير “الشبح في الآلة”The Ghost in the Machine، واحدة من أكثر المقاربات جرأة في تاريخ الفكر التطوري. فبينما اكتفت البايولوجيا التطورية بروايةٍ خطية عن الانتقاء الطبيعي، ذهب كوسلر إلى ما هو أبعد: نحو القول بأن الدماغ البشري كيان غير مكتمل تطوريًا، يعاني من خلل هيكلي يكفي لتفسير الكثير من مظاهر الانحراف السلوكي التي لا تجد لها مكانًا داخل منطق التطور التقليدي.
إلا أن هذا التشخيص، على أهميته، بقي، كما سنرى، غير قادر على تقديم إجابة نهائية عن السؤال الأكبر:
لماذا وقع هذا الخلل أصلاً؟
وهنا يتدخّل مشروعُ “الميتابايولوجيا والتحويلة التطورية” ليقدّم مقاربة أكثر عمقًا، توسّع أفكار كوسلر وتتجاوز حدودها.
فكوسلر يرى أن الدماغ البشري لم يتطوّر بوصفه وحدة متسقة، بل بوصفه تراكمًا لطبقات عصبية متباينة:
• جذع الدماغ (القديمة)
• الجهاز الحوفي (العاطفي)
• القشرة الحديثة (العقلية)
إلا أن هذه الطبقات، بخلاف ما تقتضيه الضرورات التطورية، لم تنصهر وظيفيًا في منظومة واحدة. هذا “الالتحام الناقص”، في رأيه  هو أصل التوتر البنيوي بين: الغريزة والعقل، العاطفة والمنطق، الوعي واللاشعور، الرغبة والكبح، الاندفاع والتفكير، العدوان والحكمة.
لقد ورث الإنسان دماغًا “مركَّبًا” من وحدات لا تعمل بانسجام تام، وهو الأمر الذي جعل من السلوك الإنساني أكثر تعقيدًا وتناقضًا مما تسمح به قواعد الانتقاء الطبيعي التقليدية.
يذهب كوسلر إلى أن هذا الخلل يفسّر انفراد الإنسان بقدرات سلبية لا وجود لها في الحيوان، مثل: العدوان الطغياني، غير المرتبط بالبقاء، والقدرة على تدمير بيئته وتهديد نوعه، القلق الوجودي المزمن، الانتحار، وهو سلوك غير تطوّري، التطرف الأيديولوجي، القابلية لصناعة الحروب والإبادات الجماعية، تضخم الصورة الداخلية للذات.
هذه الصفات، في نظره، “لا تنتمي” إلى المنطق الحيواني، ولا تتوافق مع أيّ صفة يمكن أن تُنتخب طبيعيًا باعتبارها مفيدة للبقاء.
ولقد حوصرت أطروحة كوسلر بنقدٍ واسع من علماء السلوك التطوري، إلا أن هذا النقد افتقد إلى شيء جوهري: لم يستطع أحد أن يقدّم نموذجًا أفضل. فالمدارس التطورية لا تزال عاجزة عن تفسير:
لماذا يخرج الإنسان عن غريزة البقاء؟
لماذا يقتل لأسباب رمزية لا علاقة لها بالغريزة؟ لماذا تظهر “الأنا المتضخمة”؟
لماذا يوجد ضمير وصوت معارض داخل النفس؟ لماذا تتعارض الرغبات الداخلية مع المنفعة التطورية؟ لماذا انتهي تطور الإنسان إلى القلق بدل الارتياح السائد  في عالم الحيواني؟
إن الانتقادات لم تزد أطروحة كوسلر إلا قوة، لأنها كشفت مقدار الفراغ النظري داخل العلوم التطورية ذاتها.
بعد عقود من علم النفس التطوري والداروينية الجديدة والانتقاء القرابي، يبقى السلوك الإنساني أكثر الألغاز استعصاءً على كل هذه المدارس.
فلا تزال الأسئلة الكبرى بلا جواب: من أين جاءت القدرة على إيذاء الذات؟ لماذا تضخّمت الأنا البشرية؟ ما أصل الانقسام الداخلي في النفس؟ لماذا خرج الإنسان على الطبيعة؟ كيف يمكن لوعيٍ بهذا التعقيد أن ينشأ فجأة؟ ما أصل الشر الطغياني، ولماذا يعاني الإنسان من “ازدواج الإرادة”؟
لقد قدّم كوسلر خطوة جريئة، ولكن البيولوجيا التطورية لم تستطع أن تقطع الخطوة التالية.
ذلك أن كوسلر، على الرغم من عبقريته، بقي أسيرًا لحدود البيولوجيا، ولم يكن قادرًا على تجاوزها إلى النموذج الميتابايولوجي الذي يفسّر أصل هذا الخلل.
فالميتابايولوجيا إذاً تعيد بناء المشكلة من جذورها.
بداية لابد من الإشارة الى ان الميتابايولوجيا تتقاطع مع فرضية كوسلر في النقاط التالية: أن الدماغ الإنساني ليس نتاج تطور سلس، أن الإنسان خرج على المنظومة الحيوانية خروجًا كبيرًا، أن التناقضات السلوكية لا تفسّرها البيولوجيا، أن الإنسان يملك شيئًا غير حيواني في داخله، أن الدماغ يشهد على “خلل بنيوي” لا يمكن تجاهله.
ولكن الاختلاف الجوهري يتجلى في الحقيقة التي مفادها أن كوسلر ركز على البنية العصبية، لكن الميتابايولوجيا تركز على الحدث الميتابايولوجي.
وعند كوسلر فإن الخلل نشأ من “سوء التحام” بين طبقات الدماغ، بينما في الميتابايولوجيا الخلل ليس ناتجًا عن خطأ تطوري بل عن تحويلة تطورية: انقطاع عن النسق الحيواني، وظهور كيان نفسي جديد: الإرادتان، الصوت الداخلي، ضمير الإنسان، القدرة على العدوان الطغياني، تضخم الأنا، القلق، انفصال ما تريده النفس عن ما يحتاجه الجسد، نشوء “الأنا الأخرى” المعارِضة. هذا كله لا يمكن تفسيره إلا بنظرية ميتاتطورية تتجاوز الحيوان وتتجاوز الدماغ ذاته. فإذا كان كوسلر قد رأى الخلل، فإن الميتابايولوجيا تفسر وجوده.
إن الميتابايولوجيا تمتاز عن فرضية كوسلر بأنها تتعامل مع الإنسان ككيان متحوّل لا كاستمرار للحيوان. فالإنسان، في الميتابايولوجيا، هو نتاج: حدث ميتابايولوجي، انقطاع تطوري، نشوء طبقة نفسية جديدة، ظهور عقل لا يعمل وفقاً لمنطق الغريزة، ظهور إرادة متجاوزة، ظهور “عقلية مضادة” قادر على معارضة نفسها. وهذا بالضبط يفسّر ما عجز كوسلر عن تفسيره:
• لماذا يوجد صوت يعارض الرغبة؟
• لماذا يشعر الإنسان بالذنب؟
• لماذا يتصرّف ضد مصلحته؟
• لماذا يحبّ ذاته حبًا عبثيًا؟
• لماذا يختلق أنظمة رمزية أكبر من حاجته البيولوجية؟
هذه كلها ليست “أخطاء عصبية”، بل نتائج للطابع الميتابايولوجي للنفس الإنسانية.
إن عبقرية آرثر كوسلر تكمن في أنه كان أول من تجرأ على القول إن الدماغ البشري ليس قصة نجاح تطورية، بل “مشروع غير مكتمل”. لكن عبقرية “الميتابايولوجيا والتحويلة التطورية” تكمن في أنها لا تكتفي بتشخيص الخلل، بل تكشف عن أصله و دلالته الوجودية.
لقد وضع كوسلر إصبعه على الجرح، لكن الميتابايولوجيا تقدّم التشخيص الكامل:
الإنسان ليس استمرارًا للحيوان، ليس نتاج تطور سلس، وهو كائن خرج عن النظام الحيواني هذا الخروج هو مفتاح كل تناقضاته وهو لذلك يستحق بجدارة بالحدث الميتابايولوجي. ولذلك فإن البايولوجيا التطورية المعاصرة ستظل عاجزة ما لم تتبنّ منظورًا يتجاوز الأطر الحيوانية الضيقة التي تحاول حصر الإنسان فيها.

أضف تعليق