
منذ ظهر مفهوم “الخطيئة الأصلية” في اللاهوت، ظلّ السؤال عن “أصل خطأ الإنسان” سؤالًا ميتافيزيقيًا، لا يخضع لقوانين الطبيعة ولا لآليات التطور. ومع صعود الداروينية في القرن التاسع عشر، حاولت بعض المقاربات إعادة تفسير السلوك البشري، بما فيه ميل الإنسان للعتوّ والتجاوز، بوصفه امتدادًا طبيعيًا للانتقاء والصراع من أجل البقاء. لكن هذه المقاربات، رغم جرأتها، لم تستطع تفسير “النزعة التخريبية” عند الإنسان: تلك القدرة على الإفساد المتعمد، والإصرار على تجاوز الحدود الطبيعية التي يلتزم بها الحيوان التزامًا غريزيًا صارمًا.
وفي القرن العشرين جاء تيار دو شاردان، الكاهن اليسوعي والفيلسوف التطوري، ليقدّم واحدة من المحاولات النادرة في ردم الهوة بين التطور البيولوجي والرؤية اللاهوتية، محاولة لا تنكر الداروينية لكنها لا تخضع لها؛ إذ ترى أن الوعي الإنساني لم ينشأ تطوريًا من “طبيعة” الحيوان، بل من قفزة روحية-بيولوجية أحدثت “انشقاقًا” في التطور. وهنا يلتقي شاردان، على نحو غير معلن، مع الرؤية القرآنية لحدث “الأكلة القدرية” التي غيّرت مسار الوجود الإنساني.
تهدف هذه المقالة إلى تتبع هذه المقاربات الثلاث: الداروينية، الشاردانية، والقرآنية، ثم تقديم قراءة ميتابايولوجية جديدة للحدث القرآني “فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ”، بوصفه نقطة التحول الكبرى التي بدأ عندها خروج الإنسان على الطبيعة.
حاولت الداروينية، تفسير السلوك الإنساني باعتباره امتدادًا لسلوك الحيوان، عبر مبادئ ثلاثة:
1. الانتقاء الطبيعي
2. البقاء للأصلح
3. التكيّف مع البيئة
وبحسب هذا المنظور، فإن العدوانية، السيطرة، الأنانية، وحتى الخداع، يمكن تفسيرها بوصفها أدوات للنجاة. لكن الداروينية تواجه إشكالات كبرى عند محاولة تفسير الظواهر الآتية: التعمد الواعي للإفساد حتى لو لم يحقق أي فائدة للبقاء، القدرة على التضحية بالذات لأجل قيم مجردة لا علاقة لها بالبقاء، ظاهرة “تضخّم الذات” التي لا وجود لها في عالم الحيوان، الشعور بالذنب، وهو أمر لا جذور تطورية له. ولذلك بقيت “الخطيئة الأصلية”، أو لحظة “الانحراف الأول”، غير قابلة للتفسير ضمن النسق التطوري الخالص وذلك لأن الداروينية تصف “نشوء الإنسان” لكنها لا تفسر علة “نشوء الخطأ”. هنا يظهر فراغ معرفي كبير، حاول شاردان ملأه عبر إعادة تأويل التطور نفسه.
يعدّ تيار دو شاردان من أول المفكرين الذين رأوا أن الإنسان لم ينشأ نتيجة تطور ميكانيكي، بل نتيجة “انفجار داخلي للمادة باتجاه الروح “Radial Energy”كما يسميها. فوفقا لشاردان فإن التطور ليس سلسلة عمياء من الطفرات، بل عملية كونية تتجه نحو نقطة أوميغا Omega Point: حيث تكتمل الروح الإنسانية. ظهور الوعي في الإنسان لم يكن خطوة طبيعية، بل قفزة وجودية Ontological Leap.. وهذه القفزة أنتجت ما يسميه “الداخلانية” interiority: وهو انفتاح النفس على ذاتها، وقدرتها على إدراك الخير والشر. وهنا يرى شاردان أن أصل “الخطيئة الأصلية” ليس حدثًا تاريخيًا، بل ضرورة بنيوية لازمت انفصال الإنسان عن الحيوان. ومع أن شاردان لا يستعمل مصطلح “الخروج على الطبيعة”، إلا أن نظريته تؤدي إلى نتيجة مشابهة: أن لحظة وعي الإنسان بنفسه كانت لحظة انشقاق، لحظة انفصال عن النظام الحيواني، لحظة خطأ وجمال في آن واحد. وهذا يقارب، بدرجة مدهشة، ما تقوله السردية القرآنية عن الأكلة التي غيّرت مسار الانسان. فالقرآن لا يقارب هذه “الخطيئة الأصلية” بوصفها وراثة ذنب، بل بوصفها: اختيارًا واعيًا وتحولًا في طبيعة الإنسان ونقطة انعطاف وجودية. فالله تعالى يقول لآدم بعد الأكلة: “قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا” وهذا “الهبوط” ليس سقوطًا، بل انتقال من طور إلى طور؛ من الطور الحيواني-الملائكي في الجنة إلى الطور الإنساني-الأرضي. والمثير أن القرآن لا يصف الشجرة كمجرد اختبار، بل كحدث قدرّي ترتّب عليه ظهور الرغبة وظهور الإرادة الثانية وانبثاق التردد والصراع الداخلي. وهذه جميعًا غير موجودة في الحيوان. وبذلك فأن الأكل من الشجرة، وفقا للقرآن، لا يمثل “خطيئة”، ولكن “لحظة خلق جديدة” تمثل لحظة انفصال الإنسان عن الحيوان الذي يعجزعن تجاوز حدوده. فالآية التي ختم بها الله حادثة الأكلة: “فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى” تشير ضمناً إلى أن الإنسان بعد الخروج أصبح كائنًا يحتاج إلى هداية، لأنه لم يعد ذلك الكائن المتوافق مع النظام الكوني العام. أي أن الإنسان أصبح حرًّا، والحرية هي أساس الخطيئة وأساس الارتقاء في آن واحد.
يمكن صياغة تفسير معاصر يجمع بين هذه الرؤى الثلاث كما يلي: الإنسان قبل الأكلة كان جزءًا من النسق الطبيعي ولا يملك إرادة متضخمة، ولا صوتين متناقضين، ولا نزوعًا إلى التمرد. الإنسان بعد الأكلة أصبح كائنًا جديدًا يملك: إرادتين (الحيوانية والاختيارية)، وعيًا بالذات، رغبة في التجاوز، شعورًا بالذنب، واستعدادًا للتصارع. وهي خصائص لا يمكن تفسيرها تطوريًا، لأنها تتعارض مع آليات الانتقاء الطبيعي. تمامًا كما قال شاردان: “إن نشوء الوعي كان “قفزة”، لا عملية تراكمية”. كذلك وكما قال شاردان أيضا “إن الإنسان مرحلة في مسار كوني”، فإن القرآن يقول “فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ”. أي أن الإنسان بعد التحويلة أصبح قادرًا على أن يضلّ أو يهتدي، وهذه القدرة غير موجودة في الحيوان. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي: يغيّر بيئته ويخترق حدودها ويفلح الأرض ويبني المدن ويبتكر الفنون ويُفسد أيضًا. وهذه كلها نتائج ذلك الحدث الأول.
إن محاولة تفسير “الخطيئة الأصلية” عبر عدسة التطور الدارويني وحدها محاولة قاصرة؛ لأنها تتعامل مع الإنسان بوصفه استمرارًا للحيوان. لكن قراءة شاردان، ومعها القراءة القرآنية، تكشفان أن الإنسان ليس استمرارًا للتطور بل انقطاعًا عنه. فالأكل من الشجرة، وفقا للقرآن، ليس خطأ أخلاقيًا. بل هو، من منظور ميتابايولوجي، اللحظة التي انفصل فيها الإنسان عن الطبيعة، وبدأ مسيرة الوعي، ومسيرة الصراع، ومسيرة التضخم، ومسيرة الأخلاق. هي لحظة الألم، ولحظة الحرية، ولحظة القدر. وبهذا تتكامل: حدود الداروينية ورؤية شاردان الروحية-التطورية والقصة القرآنية للحدث الأول، في مقاربة جديدة ترى أن “الخطيئة الأصلية” ليست ذنبًا بل إعلان ميلاد الإنسان ذي الإرادة على أن يرتقي الى أعلى عليين أو أن يرد أبد الدهر أسفل سافلين.
