اللحظة التاريخية الفارقة حين تخلدها عبقرية الفنان

تُشير اللحظاتُ التاريخية الكبرى، في الوعي الجمعي للأمم، إلى أحداثٍ تتجاوز حدود الزمن العابر لتُصبح علامات فارقة تُعيد تشكيل الذاكرة الوطنية. غير أنّ التقاط جوهر هذه اللحظات، وتحويلها إلى عملٍ فنيّ قادر على تخليدها، ليس أمرًا ميسورًا للجميع؛ إذ يتطلّب درجةً استثنائية من الحساسية الجمالية ورهافة الإدراك الوجداني، لا تتوفر إلا لدى فئة محدودة من الفنانين.
فقدرةُ بعض المبدعين على استشعار الثقل الوجودي للحظة، حتى وإن غاب هذا الإدراك عن وعي الجماهير، تعود إلى ما يمتلكونه من حسّ مرهف يجعلهم أكثر قدرة على الإنصات إلى ما يتجاوز الضجيج الظاهر، إلى ذلك المعنى العميق الذي يتشكل في خلفية الحدث. وفي هذا الإطار يبرز الفنان “سعيد العدوي” بوصفه نموذجًا واضحًا لهذه القدرة النادرة.
لقد استطاع العدوي، بفضل ما يتسم به من صدق عاطفي ونقاء بصري، أن يوثق لحظتين مفصليتين في الوجدان المصري الحديث: لحظة تشييع مصر لزعيمها الراحل جمال عبد الناصر، ولحظة صلاة الأمة عليه. وهما لحظتان لم تؤرخ لهما الصور فقط، بل خُلّدت عبر رؤية فنية تُدرك القيمة الرمزية والتاريخية للحدث، وتمنحهما حضورًا بصريًا يتجاوز مجرد التسجيل إلى مستوى الشهادة الجمالية على زمن كامل.
وهكذا، فإن أعمال العدوي لا تمثل توثيقًا فوتوغرافيًا فحسب، بل تُجسد قدرة الفن على النفاذ إلى عمق التجربة الجماعية، وتثبيت ما قد يعجز التاريخ السياسي وحده عن حفظه: أثر اللحظة في الوجدان.

أضف تعليق