حدود المعرفة البشرية بين عالم الأسباب وعالم “كن فيكون”

شكّلت مسألة حدود المعرفة إحدى الإشكالات المركزية في الفلسفة واللاهوت وعلم الإنسان. فمن هيوم إلى كانط، ومن الفلسفة التحليلية إلى علم الأعصاب المعرفي، ظلّ السؤال: ما الذي يستطيع الإنسان أن يعرفه؟ وما الذي يتعذر عليه معرفته؟ غير أنّ هذه المقاربات، على تنوّعها، اشتركت في افتراضٍ واحد مفاده أن العقل الإنساني قادرٌ، من حيث المبدأ، على تفسير الوجود أو الإحاطة به إن اتّخذ الأدوات والمنهجيات المناسبة. في المقابل، يقدم لنا القرآن تصورًا مختلفًا جذريًا؛ إذ لا يمنح الإنسان حرية مطلقة في المجال المعرفي، بل يضع حدودًا وجودية لما يمكن للعقل بلوغه وما يستحيل عليه، ويؤسس هذا التحديد على بنية الوجود وليس على قصورٍ منهجي ذاتي.
وتسعى هذه المقالة إلى تحليل هذا التحديد القرآني، وربطه برؤية ميتابايولوجية معاصرة تفترض أنّ الإنسان كائنٌ ذُو وعيٍ، مخلوق داخل نظام الأسباب ولا يمكنه اختراق ما وراء هذا النظام إلا بالوحي. إن تاريخ الفلسفة حافل بتصورات حول حدود العقل، فكانط على سبيل المثال يرى أن العقل لا يعرف “الشيء في ذاته”، أما الوضعية فإنها ترى أن المعرفة هي ما يُدرك بالحواس. بينما ترى الظاهراتية أن المعرفة تجربة ذاتية وليست موضوعية. إلا أنّ القرآن لا يعالج حدود المعرفة بوصفها مشكلة منهجية، بل بوصفها بنية وجودية تحدد مقام الإنسان في الكون.
أما المقاربة الميتابايولوجية فإنها تفترض أنّ الإنسان لم يتطور تطورًا خطيًا خاضعًا للبيولوجيا، بل شهد “تحويلة تطورية” أنتجت:
• وعيًا مزدوجًا
• إرادتين
• مخيالًا رمزيًا
• قدرة على تمثيل ما لا يُرى
لكنها أبقته حبيس النظام الأرضي، غير قادر على العبور إلى مجال الغيب أو عالم السيادة الإلهية.
يقول تعالى: “الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” (العلق 4–5)، القلم هنا ليس أداة كتابة، بل يمثل آلية تكوين المعرفة فوق–الطبيعية وجسرًا بين عالم الأسباب وعالم “كن فيكون” والتيار المعرفي غير العقلي الذي يؤسس به الوحي ما لا يمكن للعقل تحصيله. فالمعرفة التي يقدّمها الوحي ليست نتيجة استنتاج أو تجربة، بل كشفٌ مباشر وانتقال معرفي عمودي وتجاوز لبنية العقل التي لا تستطيع إدراك الغيب. من هذه الحقائق: وجود الخالق واليوم الآخر وعالم الملائكة والجن وطبيعة النفس والصراع الغيبي ومصائر الإنسان وحكمة التشريع ومحدودية العقل نفسه. فالعقل لا يستطيع، ولا يمكنه، أن يكتشف هذه الحقائق بذاته.
يقسم القرآن الوجود إلى مستويين:
1. عالم الأسباب (النظام الفيزيائي): وهو عالم القوانين الطبيعية والانتظام السببي والظواهر القابلة للقياس والمعرفة التجريبية. هذا العالم يسمح للعقل بالتحليل والبحث والاكتشاف.
2. عالم “كن فيكون” (النظام السيادي الإلهي): وهو عالم الإرادة المطلقة والفعل المباشر غير المقيد بالسنن والغيب والمصائر وما يتجاوز الزمن الفيزيائي. هذا العالم محجوب عن الإنسان بحجاب أنطولوجي وليس معرفياً. وبذلك يصبح العقل البشري غير مؤهل لترجمة أحداث عالم “كن فيكون” إلى مفاهيم علمية أو فلسفية، لأن أدواته تكوّنت داخل عالم الأسباب فقط. فالله تعالى يقول في قرآنه العظيم: “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا” (الإسراء 85). ف “القليل” إذاً هو القدر المسموح به من معرفة ما وراء الطبيعة. فالإنسان إذا ما عرف الغيب انتفى الاختيار وسقط الامتحان وانعدم معنى الإرادة وتلاشت الأخلاق. فحدود المعرفة جزء من صياغة الوجود الإنساني ذاته.
تقدم الميتابايولوجيا إطارًا يفسر لماذا يعجز العقل عن اختراق الغيب:
1. العقل يعمل ضمن بنية بيولوجية–فوق بيولوجية: عقلٌ حسي تجريبي ونفسٌ ميتابايولوجية متجاوزة لكن كلاهما يعمل في نظام أرضي مغلق.
2. الوعي الإنساني ظاهرة مرتبطة بعالم الأسباب ولا يمكن لأدوات بيولوجية، مهما بلغت، أن تُدخل الإنسان في عالم غير خاضع للسببية.
3. الوحي هو الحدث المعرفي الذي يكسر حدود الأنظمة البيولوجية: الوحي يتجاوز الدماغ والحواس والزمن والتجربة والمنطق الأرضي. ويعمل عبر بنية معرفية مخلوقة خصيصًا لكسر الحجاب بين العالمين.
بتدبر ما تقدم، بإمكاننا ان نوجز ما خلصنا اليه كما يلي:
1. المعرفة في القرآن ذات بنية أنطولوجية لا منهجية.
2. العقل البشري محدود بحدود الطبيعة التي نشأ ضمنها ولا يمكنه تجاوز الغيب.
3. الوحي هو آلية نقل المعرفة المتعالية التي لا يستطيع الإنسان تحصيلها.
4. التحويلة التطورية (الميتابايولوجية) أسّست وعياً قادرًا على التمثيل والتخيّل، لا على الإحاطة.
5. الانقسام بين عالم الأسباب وعالم “كن فيكون” هو أساس فهم كل ظاهرة فوق–طبيعية.
6. قول الله تعالى (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) ليس وصفًا للعلم التجريبي، بل حدًا وجوديًا للعلم الغيبي.
يتبين لنا مما تقدم أنّ القرآن الكريم يقدم لنا تصورًا فريدًا لحدود المعرفة البشرية، يقوم على فصلٍ وجودي بين ما هو قابل للإدراك العقلي ضمن عالم الأسباب، وما هو محجوب ولا يمكن الوصول إليه إلا بالوحي.
هذا التحديد يكشف عن بنية الوجود نفسه. كما تقدّم لنا الميتابايولوجيا إطارًا معاصرًا لفهم هذا التحديد، عبر ربط الوعي الإنساني ببنية تطورية–ميتافيزيقية جعلت الإنسان كائنًا بين عالمين دون أن يمتلك القدرة على عبورهما. وتؤكد المقالة أنّ التعرف على هذه الحدود يهدف الى تحرير عقل الانسان من أوهام الإحاطة والكلّيّة، ومن تضخّم الذات الذي يُعدّ أحد أبرز مخلفات الحدث الميتابايولوجي.

أضف تعليق