
تُعَدّ الداروينية في صورتها الحديثة إحدى أهمّ النظريات التي حاولت تفسير نشأة الكائنات الحيّة وتطوّرها عبر آليات الانتقاء الطبيعي والتكيّف. وقد نجحت هذه المقاربة في تقديم تفسير متماسك لقدر كبير للخصائص الحيوانية التي قدر للإنسان أن يتصف بها، بما فيها البنى التشريحية والسلوكيات الغريزية والاستجابات التكيفية. غير أنّ توسيع هذه المقاربة لتشمل الظاهرة البشرية بأكملها، بما فيها الوعي الأخلاقي والهمّ الوجودي والهوية الشخصية، أثار سجالات فلسفية عميقة حول طبيعة الإنسان وحدود العلم الطبيعي. ويحق لنا ان نتساءل: “هل يمكن للداروينية أن تكون نظرية شاملة للإنسان؟”. يتجلّى التوتر بين البيولوجيا والأنثروبولوجيا حين تُعامَل الظواهر الإنسانية العليا بوصفها امتدادًا مباشراً للغرائز الحيوانية. فالسلوك الحيواني في عمومه قابل للتفسير عبر آليات واضحة: البقاء والتكيّف والتكاثر وخدمة النوع. أما السلوك الإنساني، فيتضمن عناصر لا تنسجم مع هذه المعادلة، مثل: القدرة على إدراك الذات بطريقة انعكاسية والشعور الأخلاقي والالتزام بمعايير تتجاوز المصلحة الحيوية وإنتاج المعنى والقيم والرموز والنزوع إلى القلق الوجودي والبحث عن الغاية والرغبة في التضحية أو التمرّد أو تجاوز الضرورات الطبيعية. تطرح هذه الإشكالية سؤالاً مركزياً: “هل يمكن تفسير هذه الظواهر حصراً وفق آليات الانتقاء الطبيعي؟” “وإذا عجزت الداروينية عن ذلك، فهل ينبغي توسيع النموذج أم مغادرته نحو نموذج تفسيري آخر؟”.
ولكن، ألا يحق لنا قبل ذلك أن نتساءل إن كان بمقدور الداروينية حقا أن تفسر كل ما هو إنساني في الظاهرة البشرية بدلالة مما هو حيواني فيها؟ تكمن الإجابة على هذا التساؤل المشروع في الحقيقة التالية: إن توسيع آليات الانتقاء الطبيعي لتشمل كل ما هو إنساني يؤدي إلى عجز منهجي، لأن أداة التفسير تصبح أدنى من مستوى الظاهرة. هذا الطرح يتسق مع نقد عدد من الفلاسفة والمفكرين الذين يرون أن الإنسان “ظاهرة فوق–بيولوجية ومنهم كوسلر وناغل وتايلر” بل أن بعض الباحثين يشيرون إلى أن الإصرار على قراءة الإنسان عبر منظور الحيوان يخلق ما يسمى “التوسّع التفسيري” (Explanatory Overreach)، وهو خطأ منهجي يحوّل العلم إلى أيديولوجيا. فلقد شهدت العقود الأخيرة جدلاً واسعاً بين تيارين معرفيين:
أ. الاتجاه الاختزالي (Reductionism): يرى أن جميع الظواهر الإنسانية قابلة للاختزال إلى آليات عصبية–تطورية. ويمثله بعض فلاسفة العقل المعاصرين، إضافة إلى مدارس في البيولوجيا التطورية السلوكية.
ب. الاتجاه اللااختزالي (Non-reductionism) يؤكد أن الوعي والذات والأخلاق تتجاوز حدود التفسير التطوري. ويمثله كوسلر وتوماس ناغل وهابرماس وتشارلز تايلور، وامتدادات في الفلسفة الأوروبية والفلسفة الظاهراتية.
فلا اعتراض على قدرة التطور على تفسير ما هو حيواني في الظاهرة البشرية، بل الاعتراض يقع فقط حين يُطالَب التطور بتفسير ما لا يقع بطبيعته ضمن نطاقه. هذا التمييز ينسجم مع التوجهات المعاصرة في فلسفة العلم التي تحذر من الخلط بين صلاحية نموذج لفهم مستوى معيّن، ومحاولة فرضه على مستويات أعلى لا تنتمي إليه.
والآن، ألسنا بحاجة إلى إطار تفسيري يتجاوز الاختزال التطوري دون أن يعادي العلم؟ بحسب هذا التصور، فإن الإنسان ليس تطوراً خطياً للحيوان، بل كيانٌ طرأ عليه انقطاعٌ وجودي أدّى إلى نشوء طبقة نفسية تتجاوز الطبيعة، وإرادتين متصارعتين، وتضخم في الذات، وقدرة على تجاوز الدافع الحيوي نفسه. وبذلك يصبح الإنسان كائناً منخرطاً في الطبيعة ولكنه منفصل عنها في آن واحد، وهي ثنائية لا تستوعبها الداروينية بصورتها التقليدية.
إن قصور المقاربة الداروينية حين تُوسّع مجال اشتغالها إلى ما يتجاوز قدراتها التفسيرية الطبيعية. فالتطور يقدّم شرحاً متماسكاً للغرائز والسلوك الحيواني، لكنه لا يستطيع وحده تفسير الظواهر الإنسانية العليا التي تتطلب أدوات معرفية أخرى: فلسفية وميتابايولوجية ووجودية أو حتى لاهوتية. وعليه، فإن فهم الإنسان يتطلّب منظومة تفسيرية مركّبة، تتعامل مع الإنسان بوصفه كياناً يتقاطع عنده الحيواني مع ما هو فوق–بيولوجي. وإن أي محاولة لاختزال هذا التركيب في آليات الانتقاء الطبيعي ستفضي حتماً إلى عجز معرفي وفشل في فهم “المشكلة الوجودية” التي تميّز الإنسان عن الحيوان.
