ما الذي حالَ دون اندلاع الحرب العالمية الثالثة طيلة الثمانين عاماً الماضية؟

يذهبُ البعض من المحللين الاستراتيجيين إلى أنَّ العلةَ من وراءِ ما شهده العالَم طيلة السنوات الثمانين الماضية من سلامٍ بين القوى العظمى لم تعكِّر صفوَه حربٌ كتلك التي شهدَها في 1914- 1918 أو تلك التي امتدت بين عامَي 1939- 1945، تكمن في حالةِ الردع المتبادَل بين هذه القوى بسببٍ من حيازتِها السلاحِ النووي. وصياغة هذا المذهب على هذه الشاكلة تنطوي على إغفالٍ متعمَّد، أو تغافلٍ غيرِ مقصود، لحقيقةٍ تاريخيةٍ كان لابد من أن تُذكَرَ قبل الشروعِ بهذه الصياغة. وهذه الحقيقة مفادها أنَّ مَن ينبغي أن يُشادَ بجهودِه، التي أثمرت فيما بعد تنعُّمَ البشرية بهكذا سلامٍ قائمٍ على أساسٍ من تشارُكِ ذاتِ القدر من الخوف بين القوى العظمى من أن تؤدي هذه الحربُ حالَ اندلاعِها إلى فناءِ الجنس البشري بأكلمِه، هم تلك الفئة من علماء الفيزياء النووية الذين تكفلوا بإيصالِ أسرارِ القنبلةِ الذرية الأمريكية إلى الاتحادِ السوفيتي وبريطانيا. فيكفينا أن نتصورَ سيناريو افتراضياً لما كان العالَم سيواجهُه لا محالة لو أنَّ الولاياتِ المتحدة كانت القوةَ العظمى الوحيدة التي بحوزتِها سلاحٌ نووي. ويعزز هذا السيناريو الافتراضي ما تكشف من وثائق تاريخية ذكرت جانباً من تفاصيلِ الخطط التي وُضِعت لتدميرِ الاتحادِ السوفيتي خمسينيات القرن الماضي، والتي كانت تقضي بإلقاءِ العشرات من القنابل الذرية على كبرياتِ المدن السوفيتية.
إنَّ كيلَ المديح للنظامِ العالَمي، الذي كان سائداً إبان حقبةِ الحرب الباردة وما أعقبها من الأعوام حتى لحظتِنا الراهنة هذه، هو في حقيقتِه تجنٍّ على الواقع وتعدٍّ على الحقيقة. فذلك النظامُ العالَمي لم يكن بمقدورِه أن يكفلَ للعالمِ ثمانين عاماً من السلام لولا أنه استندَ في كلِّ ما أُقِيمَ له من صروحِ تمجيدٍ وتعظيم إلى مشاعرَ إنسانية هي ذاتُها التي استشعرَها إنسانُ الكهف قبل آلافِ السنين وهو يضع الخطةَ التي سيعمل هو وأقرانُه بموجبِها للهجومِ على منافسيهم من رجالِ الكهوفِ الأخرى! فالخوف، وبكل ما ينطوي عليه من مشاعرَ وأحاسيس بدائية، هو الذي كفلَ لنا إذاً ثمانين عاماً من سلامٍ قائمٍ على نسيجٍ هو أوهى وأوهن من بيتِ العنكبوت.

أضف تعليق