حين ينبثق النظام من اللانظام… حالة يوهان باخ مثالاً

تُعدّ دراسة البنية المؤسسية للنظام الكهنوتي الذي ساد أوروبا منذ أواخر العصور الوسطى وحتى القرنين اللاحقين مدخلًا كاشفًا لطبيعة الاضطراب التاريخي الذي صاحب تطوّر هذا النظام وتحوّلاته. فالتحليل التاريخي لهذه البنية يُظهر أنها كانت تتسم بدرجة عالية من المركزية والانضباط الصارم، مقرونة بممارسات سلطوية كانت تهدف، من حيث طبيعتها ووظيفتها، الى ضبط الأفراد ضمن منظومة تُغلّب الامتثال على الحرية، والحفاظ على الاستمرارية المؤسسية على حساب الإبداع الفردي. وتشير الوثائق التاريخية والسياقات السوسيولوجية المتعلقة بذلك النظام إلى وجود منهج منضبط صيغَ لضمان استقرار المؤسسة الكهنوتية والإدارية، لكنه أدى عمليًا إلى تقييد المبادرات الفردية وإضعاف إمكانات التعبير الحر. كان الهدف المركزي لهذه البنية هو المحافظة على نموذج معياري موحّد، الأمر الذي جعل أي محاولة للخروج عليه تُفسَّر بوصفها تهديدًا للمؤسسة ذاتها. ولقد وقع العبء الأكبر لهذه الصرامة على الفئات التي تتسم، من حيث تكوينها النفسي والمعرفي، بعدم القدرة على التكيّف مع الضوابط التي تفرضها السلطة المؤسسية. فهؤلاء الأفراد غالبًا ما يمتلكون استعدادات عالية نحو التفرّد، والإبداع، ونقد الأعراف، وهي سمات تتعارض بنيويًا مع منطق المؤسسة، ما جعلهم عرضة لأنماط متكررة من الضغط والاستنزاف النفسي والاجتماعي. ومن الملاحظ تاريخيًا أن العديد من ممارسات هذا النظام لم تكن امتدادًا مباشرًا للتعاليم المسيحية الأولى، بل كانت، في جزء رئيسي منها، نتاج تطور مؤسسي داخلي ارتبط بمصالح السلطة وبالاقتصاد الكهنوتي. وقد ساهم هذا الانحراف التدريجي في خلق مسافة واضحة بين المبدأ الديني المؤسِّس وبين التطبيق المؤسسي اللاحق، الأمر الذي أدى إلى نشوء توترات داخلية متزايدة داخل النظام ذاته. وعلى الرغم من شدة الانضباط المؤسسي، فإن التاريخ يكشف أن الفضاءات القمعية كثيرًا ما تُنتج، على نحو غير مقصود، شروطًا تدفع بعض الأفراد إلى تطوير أشكال من التمرّد الإبداعي.  فالقمع هنا لا يؤدي فقط إلى الإخماد، بل يُحدث أيضًا ضغطًا متزايدًا يُفضي، عند بعض الأشخاص ذوي الحساسية الذهنية العالية، إلى بلورة بدائل معرفية وجمالية تتجاوز النسق القائم. وتُعدّ هذه الظاهرة مثالًا دالًا على قانونٍ يمكن تتبعه في أكثر من سياق تاريخي: العُسر المؤسسي قد يُنتج، عبر آليات غير مباشرة، أشكالًا من اليُسر المعرفي أو الجمالي، أي نظامًا جديدًا ينبثق من قلب الفوضى البنيوية للنظام القديم.
ولعل الموسيقار يوهان سيباستيان باخ هو خير من بوسعه ان يقدم مثالًا بارزًا لهذا القانون البنيوي. فقد نشأ باخ وعمل داخل بيئة كنسية منضبطة، تتسم بتعقيد مؤسسي وقواعد صارمة تحكم الممارسة الموسيقية والدينية. غير أن هذا الإطار القهري لم يُخمِد قدرته الإبداعية؛ بل ساهم، على نحو غير مباشر، في تشكيل تجربة فنية كان لها أثر مفصلي في تاريخ الموسيقى الغربية.
لقد عمل باخ على تطوير نظام موسيقي شديد التركيب والاتساق، يختلف جذريًا عن الأساليب التي كانت سائدة، ويقدّم بنية جمالية جديدة يمكن اعتبارها تجاوزًا للنظام الكهنوتي القائم، بل وتفكيكًا ضمنيًا له. ومن ثمّ، فإن موسيقاه لم تكن مجرّد تعبير فني، بل كانت إعادة تنظيم للنظام الجمالي الذي شكّل ملامح العصر الموسيقي اللاحق.
إن هذه التجربة الإبداعية المتميزة، عند تحليلها ضمن إطار نظري أوسع، تكشف عن ظاهرة عامة تتجاوز السياق التاريخي الخاص. وهذه الظاهرة هي أن البنى المؤسسية المنغلقة، حين تبلغ درجة عالية من الاحتقان الداخلي، تخلق، على الرغم من طبيعتها القمعية، شروطًا موضوعية لظهور أشكال جديدة من النظام.
وهذه الظاهرة تمثّل أحد تجليات ما يمكن تسميته بـ التصاحب البنيوي بين العُسر واليُسر، حيث يتجاور الضغط والفتح، والقيد والتحرّر، والفوضى وبداية النظام الجديد. إنها عملية تتكرّر في التاريخ الثقافي، وتُظهر أن الأنظمة الصارمة قد تُسهم، دون قصد، في ميلاد قوى تجديدية كانت تحاول إقصاءها.
يُظهر النموذج الكهنوتي الأوروبي، وخاصة حالة يوهان سيباستيان باخ، أن الفضاءات القمعية قد تُنتج، ضمن شروط محدّدة، تحولات عميقة في البنية الجمالية والفكرية للمجتمع. ومن ثمّ، فإن ظهور النظام من قلب الفوضى ليس مجرد حدث تاريخي معزول، بل هو قانون يمكن رصده في تطور الأفكار والنظم عبر الزمن.

أضف تعليق