عفواً سيادة الرئيس، الحيوان ليس إرهابياً

تعرضت العاصمة الأميركية واشنطن يوم أمس، ٢٦ نوفمبر ٢٠٢٥، إلى اعتداء إرهابي طال عدداً من أفراد الحرس الوطني. وقد وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب منفذَ هذا الاعتداء الإرهابي الجبان بـ«الحيوان». وهذا أمرٌ مؤسف، خصوصاً وأنه صدر ممن يُفترض فيه أن يكون أكثرَ إحاطةً بالفوارق الجوهرية التي يتمايز بها الحيوان عن الإنسان، ولا سيما عجز الحيوان عن القيام بأيّ عمل إرهابي، لتنافي هذا الفعل مع طبيعته التي تقوم على الانصياع التام لقوانين الطبيعة التي تنظّم له الكيفية التي يظهر بها «عدوانه الطبيعي»، وذلك بخلاف الإنسان الذي يطغى فيشرع بالفساد في الأرض وسفك الدماء.
من الخطأ المنهجي أن تُستخدم كلمة “حيوان” لتجريم سلوك بشري، لأن الحيوان، في كلّ ما نعرفه عنه بيولوجياً وإيثولوجياً، يعمل داخل منظومة غريزية مغلقة، تحكمها ثلاثية بسيطة: البقاء والتناسل وخدمة النوع. وما يظهر من “عدوان” في عالم الحيوان ليس انحرافاً ولا تمرّداً على الطبيعة، بل هو امتثالٌ كاملٌ لها. فالحيوان لا يقتل بدافع الأيديولوجيا ولا ينتقم لأفكار ولا يسعى إلى “تغيير العالم”. ولا يمتلك الحيوان القدرة النفسية أو العصبية التي تجعل منه كائناً قادراً على التخطيط للترويع الجماعي أو استخدام العنف خارج دوافع الحفاظ على الحياة. وبهذا المعنى، فالحيوان بريء من الإرهاب براءةً مطلقة، لأن الإرهاب سلوك يحتاج إلى عقلٍ مختلّ على نحو لا يمكن للطبيعة أن تُنتجه في أفرادها.
على النقيض من الحيوان، ينفرد الإنسان بقدرة لم تنشأ عن تطورٍ متدرّج، بل عن انعطافة ميتابايولوجية جعلته يخرج على النظام الحيواني، ويصبح كائناً ذا إرادة مزدوجة ونفسٍ قابلة للتمرّد والتضخم. هذه القدرة تشمل: التخطيط للعنف غير الضروري وتوظيف العنف كأداة رمزية أو سياسية وتسخير الخيال لابتكار أساليب إيذاء لا هدف لها سوى الإيذاء وتجاوز كل حدود البقاء الطبيعي. هذه النزعات ليست حيوانية إطلاقاً؛ هي إنسانية خالصة، لأنها ناتجة عن التمزق الداخلي الذي أحدثته تلك “التحويلة التطورية” التي جعلت الإنسان يعيش بوعيين متصارعين: وعي طبيعي يطلب البقاء، ووعي متضخّم يطلب السيطرة حتى ولو على حساب الحياة نفسها. فعندما يستخدم سياسيٌّ أو رئيس دولة وصف “الحيوان” لوصف إرهابي، فإنه يرتكب خطأين:
أولاً: ظلمٌ معرفي للحيوان، إذ يُنسب إليه ما لا يمكن لطبيعته أن تنطق به. الحيوان لا يعرف المدافع الرشاشة ولا السيارات المفخخة ولا المتفجرات. ولا يمكنه، حتى لو ملك الأدوات، أن يوجّه عنفه نحو أهداف رمزية أو عقائدية.
ثانياً: تبرئة غير مقصودة للإنسان، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي اخترع الإرهاب، وهو وحده الذي يمتلك القدرة على تحويل العدوان إلى “رسالة” والعنف إلى “فلسفة” والدم إلى “رمز”.
وصف الإرهابي بـ“الحيوان” يُعيدنا إلى الوهم القديم بأن الشرّ يأتي من خارج الإنسان، بينما الحقيقة الوجودية الثابتة، كما تُظهرها كل التجارب البشرية، أن الشرّ يصدر من داخل النفس البشرية، وليس من الطبيعة.
تُظهر الميتابايولوجيا أن الإرهاب ليس ظاهرة حيوانية ولا ظاهرة طبيعية، بل هو منتَجٌ مباشرٌ لخروج الإنسان على الطبيعة. فالإنسان وحده هو الذي استطاع أن يحوّل العدوان من ردّ فعل بيولوجي إلى مشروعٍ تجريدي يربط العنف بالهوية ويصنع من الترويع أداة سياسية أو دينية ويُشرعن القتل بأفكارٍ فوق طبيعية.
الحيوان، في المقابل، لا يملك “أنا” متضخّمة، ولا “أنا آخر” يتصارع معه ولا يعيش داخل شبكة من الرموز والأيديولوجيات. فهو كائن لا يعرف غير ما أودعته الطبيعة فيه. ليس من حقّ الإنسان أن يختبئ خلف الحيوان ليبرر سلوكه. وليس من الصواب أن تُنسب إلى الحيوان جرائم هي حصيلة قدرات لا يملكها إلا الإنسان وحده. فالحيوان، مهما بدا شرساً أو عدوانياً، هو الأكثر انسجاماً مع الوجود، والأكثر احتراماً للحدود الطبيعية التي يخرقها الإنسان كل يوم. ولهذا، فإن وصف الإرهابي بالحيوان قد يكون فيه إساءة للحيوان أكثر مما فيه إساءة للإرهابي. فالإرهاب ليس انحرافاً حيوانياً، بل علامة من علامات العطب التطوري في الإنسان الذي أهّلته الطبيعة ليكون كائناً واعياً، لكنه خرج على الطبيعة ذاتها. فالحيوان لم يخترع الإرهاب ولم يطوّر أدواته ولم يحوّله إلى لغة. الإنسان وحده، وبفضل تلك القدرة التي فشل التطور الدارويني في تفسيرها، هو من ابتدع العنف المجرّد. وعليه، فإن الرسالة التي ينطوي عليها هذا المقال مفادها: عفواً سيادة الرئيس، الحيوان ليس إرهابياً. الإرهابي… إنسان.

أضف تعليق