مراجعة نقدية لأسطورة الردع النووي

تُعدّ مسألة “السلام الطويل” الذي شهده النظام الدولي منذ عام 1945 إحدى أكثر الإشكالات إثارةً للنقاش في دراسات الأمن الدولي والعلاقات بين القوى العظمى. إذ يميل قطاعٌ واسع من الباحثين إلى عزو هذا السلام النسبي إلى ما يُعرَف بنظرية الردع النووي المتبادل، التي تفترض أنّ امتلاك الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ثم القوى النووية الأخرى، لقدرات تدميرية هائلة جعلت الحرب الشاملة خيارًا مستحيلًا منطقياً، وغير قابل للاستخدام سياسيًا. غير أنّ هذا التفسير السائد، على انتشارِه في الأدبيات الاستراتيجية، يغفل بُعداً تاريخياً بالغ الأهمية، ويقدّم سردية تبسيطية تُفضي إلى تمجيد “النظام الدولي” بقدرٍ لا يتناسب مع حقيقته البنيوية.
تتجاهل السردية التقليدية خلفيات تكوّن “توازن الرعب”، إذ تُقدِّم الردع النووي بوصفه ثمرةً طبيعية لتطور هندسة الأمن الدولي، وكأن القوى الكبرى قد اختارت بوعيٍ مشترك الامتناع عن الحرب حفاظًا على البشرية. إلا أنّ الوقائع التاريخية تُظهر أن نشأة هذا التوازن لم تكن نتيجة مسارٍ واعٍ أو مخططٍ له، بل تَشكّلت بصورة غير مقصودة من خلال تسرّب الأسرار النووية الأميركية إلى الاتحاد السوفيتي وعدد من الحلفاء في مرحلة مبكرة من الحرب الباردة.
وقد أظهرت الوثائق التي رُفعت عنها السرية لاحقاً أنّ الولايات المتحدة، لو بقيت القوّة النووية الوحيدة في العالم، كانت ستدرس بالفعل خيارات هجومية شاملة ضد الاتحاد السوفيتي في خمسينيات القرن الماضي، بما في ذلك خطط لإلقاء عشرات القنابل الذرية على مراكز حضرية رئيسية. يشير ذلك إلى أنّ “الردع المتبادل” لم يكن ليصبح “متبادلاً” لولا أن أطرافاً خارج دائرة صنع القرار الأميركي قامت، عمداً أو بدافع أيديولوجي، بكسر احتكار واشنطن للسلاح النووي. ومن المبالغة النظر إلى النظام الدولي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية باعتباره نظامًا عقلانيًا أو قائمًا على الحكمة المؤسسية. فاستقرار هذا النظام اعتمد، في جوهره، على خوفٍ عميق ومتبادل من حرب لا يمكن السيطرة على نتائجها، وليس على منظومة قيمية أو قانونية يمكن الوثوق بها.
إنّ هذا النمط من “السلام القائم على الرعب” لا يستند إلى تصميم بشريّ على تجنّب الحرب، بقدر ما يعتمد على ما يمكن تسميته السيكولوجيا البدائية للصراع: خوف يشبه ذلك الذي كان يعتمل في نفوس الإنسان الأول وهو يخطط للهجوم على جماعاتٍ منافسة في بيئة الكهوف. الفرق الوحيد أن أدوات القتل تضخّمت بما يكفي لتحويل الفناء من احتمالٍ جزئي إلى فناءٍ شامل للبشرية جمعاء.
تكشف قراءة هذا التاريخ أنّ “السلام العالمي” الممتد منذ 1945 لا يقوم على استقرار مؤسسي أو على توازن سياسي عقلاني، بل على نسيج هشّ قوامه الخوف الوجودي. وهو نسيج أوهى بكثير مما يوحي به خطاب الأمن الدولي؛ إذ إنّ السلم النووي يشبه، من منظور بنيوي، بيت العنكبوت: متماسك من بعيد، شديد الوهن حين يُختبَر من الداخل. فالردع النووي لم يتحقق لأنه يُعبّر عن مرحلة ناضجة في تطور العلاقات بين الدول، بل لأنه فرض نفسه على القوى العظمى كـ قيدٍ قهري يجمّد خياراتها بدلاً من أن ينظّمها. ويشير هذا التحليل إلى أنّ ما حال دون اندلاع حرب عالمية ثالثة لم يكن حكمة النظام الدولي ولا وعي القوى العظمى بمسؤولياتها التاريخية، بل التوازن اللاإرادي الذي نشأ عقب تسرب المعرفة النووية، ثم ترسّخ بفعل خوف غريزي مشترك من الفناء الشامل. وبذلك فإنّ “السلام الطويل” ليس برهانًا على نضج الإنسانية، بل على هشاشتها، وعلى محدودية قدرتها على التحكم في غرائزها حين تتجسّد في أدوات تدميرية تتجاوز طاقتها على الاحتمال.

أضف تعليق