القرآن وإشكالية الترجمة… بين استحالةِ نقلِ النصّ الإلهي وإمكانِ ترجمةِ فهمِه

تُعدّ مسألة “ترجمة القرآن” واحدة من أعقد الإشكالات المنهجية في الفكر الديني واللغوي المعاصر. فمع تزايد الحاجة إلى تمكين غير الناطقين بالعربية من الاطلاع على معاني القرآن العظيم، شاع استخدام مصطلح “ترجمة القرآن” للإشارة إلى نصوص تُقدَّم على أنها نُسخ قرآنية بلغات مختلفة. غير أن هذا الاصطلاح، بقدر ما يبدو بريئًا أو عمليًا، ينطوي على إشكال معرفي ومنهجي عميق، يتمثّل في خطأ الافتراض بأن النص الإلهي قابل للانتقال من لسانه الأصلي إلى لسان آخر دون أن يفقد ماهيته وميزته الجوهرية.
يختلف القرآن عن جميع النصوص البشرية، ليس من جهة مصدره وحسب، بل من جهة بنيته اللغوية ومقاصده وتأثيره الفسيولوجي. فالقرآن “كلام الله” وليس “كلام المخلوق”، ومن ثمّ فإن معاملته بوصفه نصًّا أدبيًا أو معرفيًا يخضع لآليات الترجمة هو اختزالٌ لطبيعته.
حين نزل القرآن بلسان عربي، لم يكن هذا اللسان مجرّد وسيط لغوي، بل كان، وفق النص نفسه، اللسان الأمثل الذي اختاره الله تعالى لتجلي معاني الوحي وموسيقاه ونَسَقه الإعجازي. فاللغة هنا ليست غلافًا خارجيًا يمكن استبداله، بل جزءٌ بنيوي من ماهية النص. فالترجمة تنقل المفاهيم والدلالات، لكنها تعجز عن نقل الإيقاع القرآني والتناسق الصوتي والطبقات الرمزية والعلاقات الدقيقة بين الحروف والكلمات والإيحاءات الدلالية المتعددة والبنية التركيبية التي تتجاوز المفهوم إلى الأثر. وهذه العناصر مجتمعة هي التي تجعل القرآن قرآنًا، وتجعل ترجمته نصًا آخر بالضرورة.
وهنا، وفي هذا السياق، لابد من التشديد على حقيقة مفادها أن مِن عظيم الخطأ التعامل مع القرآن وكأنه مجموعة معلومات يمكن نقلها من لسان إلى آخر. فالقرآن، بصفته نصًا إلهيًا، يمتلك خاصية فريدة تتمثل في قدرته على إحداث تأثير فسيولوجي مباشر في نفس الإنسان وجسمه، شريطة تحقق شروط محددة.
1. شرط “الإيمان” بوصفه محدّدًا فسيولوجيًا: النص القرآني يصرّح بأن هذا التأثير ليس عامًا، بل مشروط بالإيمان: “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا”  الإسراء: 82،
فهذه الآية الكريمة لا تتحدث عن “فهم” عقلي فقط، بل عن عملية تأثيرية لا نعرف بنيتها الداخلية، ولا كيفية تفاعلها مع الإنسان المؤمن. فالشفاء والرحمة المذكوران هنا ليسا مجازًا لغويًا، بل عمليتين تعملان في المنظومة الفسيولوجية-النفسية للإنسان.
2. استحالة ترجمة الأثر: الأثر لا يُترجَم. يمكن ترجمة المعنى التقريبي لآيات الرحمة والسكينة، لكن لا يمكن ترجمة السكينة نفسها. كما يمكن شرح معنى آيات الشفاء، لكن لا يمكن ترجمة فعل الشفاء. وهنا تكمن الفجوة الكبرى بين النص الإلهي والترجمة البشرية.
والآن، إذا كان القرآن غير قابل للترجمة، فكيف يمكن إيصال رسالته إلى غير الناطقين بالعربية؟
الجواب هو: لا تُترجمُ الآيات… بل يُترجمُ تفسيرُها. فما يُقدَّم اليوم على أنه “ترجمة القرآن” ليس قرآنًا، ولا يمكن تسميته قرآنًا. بل هو شروح أو توضيحات مفهومية أو مختصرات تفسيرية. ولذلك يجب أن يُقدَّم للمتلقي بوصفه: “ترجمة لمعاني القرآن” أو “ترجمة تفسير القرآن” وليس “ترجمة القرآن”.
ويحق لنا ان نتساءل لماذا ترجمة التفسير ممكنة ومشروعة؟ لأن التفسير يقدّم فهمًا بشريًا للآيات، وهذا الفهم قابل للنقل والشرح والتكييف اللغوي. أي أنه يشبه نقل المعرفة، لا نقل الوحي. وبالتالي فهو:
• لا يدّعي القداسة،
• لا ينسب نفسه إلى النص،
• بل يساعد المتلقي غير العربي على إدراك الحدّ الأدنى من المعاني التي يدركها القارئ العربي العادي عندما يرجع إلى كتب التفسير.
الحل لا يكمن في تحسين الترجمات، بل في تغيير النموذج المفاهيمي نفسه. فالامتناع عن وصف أي نص بأنه “القرآن” بغير العربية، لأن هذا الوصف: غير دقيق لغويًا وغير صحيح شرعيًا، وغير منضبط معرفيًا، ويوقع القارئ في لبس خطير. إن اعتماد نموذج “النص التفسيري المقروء” بدل “النص المترجم”، فعلى المؤسسات الدينية والبحثية أن تنتقل إلى نموذج لغوي جديد يقوم على:
• تقديم الآيات بالعربية كما هي،
• إرفاقها بترجمة تفسيرية دقيقة،
• مع شرح الخلفيات اللغوية والمعنوية،
• ووضع ملاحظات تبين مواضع الإعجاز غير القابل للنقل.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن ترجمة القرآن ليست مسألة تقنية تتعلق باللسانيات أو بنظرية الترجمة، بل هي إشكال وجودي يتعلق بطبيعة النص نفسه. فالقرآن ليس خطابًا بشريًا حتى يُترجم، ولا هو نصٌّ مفهومي محض يعادل نقله من لغة لأخرى نقلًا محايدًا. إنّه نصٌّ يُسمَع… ويؤثّر… ويغيّر في بنية الإنسان الداخلية بطرق لا نملك عنها علمًا. ومن ثمّ فإن الصواب المنهجي والأخلاقي هو:
• الكفّ عن وصف الترجمات بأنها “القرآن”،
• والاكتفاء بتسميتها: “ترجمات تفسير القرآن”.
وبهذا نحفظ للنص الإلهي مكانته الفريدة، ونُمكّن غير العربي من فهم معانيه دون أن ندّعي أن هذا الفهم هو القرآن ذاته.

أضف تعليق