النفس البشرية نتاج تفاعلات ميتاكيميائية… مقاربة تأسيسية

تشكّل النفس البشرية إحدى أكثر الظواهر استعصاءً على التفسير البيولوجي التقليدي، لا بسبب تعقيدها فحسب، بل بسبب خروجها البنيوي عن النسق الطبيعي الذي يضبط سلوك الكائنات الحية. ومع ذلك، تظل السرديات العلمية السائدة عاجزة عن تقديم إطار يفسّر نشوء هذه النفس وخصائصها غير الخاضعة للغريزة أو الانتقاء الطبيعي. تنطلق هذه المقالة من فرضية ميتابايولوجية مؤدّاها أنّ ظهور النفس البشرية كان ثمرة تحويلة تطورية غير خطّية، نجم عنها انبثاق مستوى جديد من الوجود النفسي لا يقبل الاختزال إلى الدماغ أو البيولوجيا.
تفترض المقاربة الميتابايولوجية أنّ مسار تطور الإنسان لم يكن سلسلة متصلة من التغيرات الخاضعة لقوانين الانتقاء الطبيعي، بل شهد انعطافة وجودية أدت إلى ظهور كيان نفسي مستقل جزئيًا عن البنية البيولوجية.
قبل هذه الانعطافة، كان الإنسان وفق هذا التصور كائنًا منسجمًا مع بيئته، تحكمه الغرائز ذاتها التي توجه سلوك الحيوان، دون وجود صراع داخلي أو إرادة مزدوجة أو نزعة تمرد على الطبيعة. غير أنّ تلك الانعطافة التطورية أخرجت الإنسان من هذا النظام الصارم، وأدخلته في عالم نفسي جديد يتميز بالتردد والوعي والتمرد وتضخم الذات والاندفاع خارج حدود الغريزة. وبذلك يُعاد تأويل حادثة “أكل الإنسان من الشجرة”، كما يرد في النص القرآني، ضمن إطار ميتابايولوجي لا يفهمها كواقعة أخلاقية أو ميتافيزيقية خالصة، بل باعتبارها لحظة اختراق للنظام الطبيعي أدّت إلى انبعاث مستوى جديد من الإدراك والوعي.
هذا الاختراق لم يكن خاضعًا للسببية المادية الخالصة، بل كان فعلاً وجوديًا أدّى إلى تغيّر في البنية النفسية للإنسان، وتحوّلٍ في علاقته بنفسه وبالعالم. وبهذا يُفهَم “الأكل” على أنّه لحظة انتقال لا لحظة تغذية؛ لحظة ولادة النفس، لا لحظة عصيان فحسب.
يُقصد بـ التفاعلات الميتاكيميائية تلك العمليات التي:
1. تتخذ من المادة وسيطًا دون أن تكون خاضعة بالكامل لقوانين الكيمياء المعروفة.
2. تجري داخل حدود الجسم ولكن محركها ليس مادّيًا، بل فعلٌ فوق–طبيعي (metanatural) يتجاوز النسق السببي.
3. تترك آثارًا بيولوجية لكنها لا تنشأ من تفاعل مواد أو هرمونات أو إنزيمات بالمعنى العلمي الصرف.
4. تفتح مستوى جديدًا من الفاعلية النفسية لا يمكن للبيولوجيا تفسيره أو احتواؤه.
إذن فالحديث ليس عن مادة كيميائية “محددة” دخلت في الجسم، بل عن فعل كيميائي–وجودي أحدث اضطرابًا في النظام العضوي، ومهّد لنشوء نفس مستقلة في طاقتها وميولها عن النظام الحيواني. وبهذا المعنى، تكون الميتاكيمياء جسرًا بين الوجود المادي والحدث الميتابايولوجي. أفضت تلك التفاعلات إلى سلسلة آثار شكلت النفس البشرية كما نعرفها اليوم: ظهور رغبة تتجاوز الغريزة ونشوء إرادتين بدل إرادة واحدة طبيعية وبروز تناقض داخلي لا نظير له عند الحيوان وانفصال تدريجي عن الانضباط الحيواني وانفتاح على قيم ومعاني غير بيولوجية. تلك الآثار ليست أعراضًا جانبية، بل هي جوهر النفس البشرية نفسها

تكشف هذه المقاربة عن ثلاث ثغرات رئيسية في البيولوجيا التطورية:
أ. قصور النموذج الغريزي، فالنفس البشرية تتصرف أحيانًا ضدّ المصلحة البيولوجية للنوع أو الفرد.
ب. غياب تفسير للتردد والصراع الداخلي، الدماغ الحيواني لا يعرف “الازدواجية”، بينما يعيش الإنسان في حالة انقسام دائم.
ج. عجز الانتقاء الطبيعي عن تفسير تضخهم الأنا،  فالمبالغة في تقدير الذات، أو إيذاء النفس، أو التمرد على الطبيعة لا يمكن تفسيرها باعتبارها “تكيفات” مفيدة.
تقدّم هذه المقاربة أساسًا معرفيًا يرى النفس البشرية بوصفها نتاج تفاعلات ميتاكيميائية لا تختزل إلى البيولوجيا، بل تمثل حدثًا ميتابايولوجيًا فريدًا غيّر مسار الإنسان وميّزه عن الحيوان.
بهذا يصبح فهم النفس متوقفًا على تجاوز النموذج العلمي التقليدي، واعتماد إطار يدمج البنية المادية مع الانعطافة الوجودية التي شكلت بداية الوعي والصراع الداخلي في الإنسان.

أضف تعليق