إخفاق الحداثة بين السرديات الكبرى والواقع الإنساني

وعدت الحداثة، التي قامت على مبادئ التنوير والعقلانية والتقدم العلمي، بعصر من التحرر والسلام الدائم. لقد تجسد هذا الوعد في “السرديات الكبرى” (Grand Narratives) التي قدمت تفسيرات شاملة للتاريخ ووعداً بالخلاص السياسي والاجتماعي. ومع ذلك، شهد القرن العشرون صعوداً مروعاً للنظم الاستبدادية، واندلاع حروب عالمية كارثية، وتفاقم كوارث إنسانية لم تستطع هذه السرديات منعها أو تفسيرها بشكل مقنع. تتناول هذه المقالة الإخفاق الجوهري للحداثة في تحقيق وعودها، من خلال مراجعة نقدية لأفكار جان فرانسوا ليوتار وميشال فوكو، لتخلص إلى أن العلة الرئيسية تكمن في فشل رواد الحداثة في إدراك الهوة السحيقة بين افتراضاتهم المثالية والواقع المعقد للإنسان العادي الذي يقع على عاتقه مهمة التصدي للاستبداد والكوارث. ولقد أتى النقد الأكثر عمقاً لوعد الحداثة من فلاسفة ما بعد الحداثة، الذين قاموا بتفكيك الأسس التي قامت عليها السرديات الكبرى:
أ. جان فرانسوا ليوتار ونهاية السرديات الكبرى
صاغ جان فرانسوا ليوتار مصطلح “السرديات الكبرى” في كتابه وضع ما بعد الحداثة (The Postmodern Condition)، معرفاً إياها بأنها الأنساق الفلسفية والتاريخية الشاملة التي تشرعن المعرفة والمؤسسات (مثل الماركسية أو سردية تحرر الإنسان بالعقل).
• نقد ليوتار: يرى ليوتار أن روح ما بعد الحداثة هي “الريبة تجاه السرديات الكبرى” . فقد أثبتت أحداث القرن العشرين – من الشمولية إلى أوشفيتز – أن هذه السرديات لم تكن محايدة؛ بل تحولت إلى أدوات قمعية تُقصي الآخرين وتفرض سلطة النظام الشمولي باسم “التقدم” أو “التاريخ”. بالنسبة لليوتار، فإن إخفاق الحداثة يعود إلى إفلاس الوعود الكلية ذاتها.
ب. ميشال فوكو والسلطة/المعرفة
قدم ميشال فوكو تحليلاً موازياً من خلال تفكيك العلاقة بين المعرفة والسلطة.
• نقد فوكو: يرى فوكو أن الحداثة، بعقلانيتها ومؤسساتها (السجون، المستشفيات، المدارس)، لم تؤدِ إلى التحرر بالضرورة، بل أدت إلى ظهور أشكال جديدة وأكثر دقة وفعالية من الانضباط والمراقبة .
• الإخفاق هنا يكمن في أن الأنساق المعرفية التي أنتجتها الحداثة – والتي كانت تهدف ظاهرياً إلى “تنظيم المجتمع” أو “تحريره” – تحولت إلى تقنيات للسلطة أتاحت بناء الهياكل الاستبدادية وتبريرها علمياً أو عقلانياً، مما مكن من حدوث الكوارث بدلاً من منعها.
على الرغم من قوة النقد الذي وجهه الى الحداثة كلٌ من فوكو وليوتار، فإن هذه المقالة، وعلى خلاف مما ذهب إليه هذان المفكران، تؤكد أن العلة الرئيسة لإخفاق الحداثة تكمن في فشلها في فهم الواقع الإنساني؛ أي في الهوة الفاصلة بين افتراضات روادها وبين طبيعة البشر الذين يُفترض أن يتولوا مهمة الدفاع عن تلك المبادئ. فلقد تصور رواد الحداثة الإنسان كائناً عقلانياً يتصرف بناءً على مبادئ منطقية وعقود اجتماعية واضحة. لكن لغة الحداثة، خاصة في مجال الفلسفة والسياسة، كانت لغة متعالية ومجردة، مليئة بالمصطلحات المعقدة والتشبيهات الغريبة عن الحياة اليومية للجماهير؛ فعندما تتحدث الحداثة عن “الجدل الهيجلي” او “العقد الاجتماعي” أو”الديالكتيك”، فإنها تخاطب فئة ضيقة من النخبة. إن هذا الغموض يؤدي إلى اغتراب الإنسان العادي عن المخططات الحداثية. فكيف يُتوقع من هذا الإنسان أن ينهض ليدافع عن نظام فكري يعجز عن فهم مصطلحاته الأساسية؟
لقد فشلت الحداثة في إدراك أن الجماهير لا تحركها الأفكار المتعالية قدر ما تحركها الأقوال المباشرة والجاذبية الكاريزمية للقادة. ففي لحظات الأزمات، عندما تتطلب مواجهة النظم الاستبدادية أو منع الحروب فعلاً جماعياً جذرياً، فإن هذا الفعل لا يُستثار عادةً بتحليل عقلاني لأخلاقيات التنوير. وبدلاً من ذلك، تنهض الجماهير وتتصرف استجابة لـ قادة شعبويين أو ثوريين حقيقيين يتحدثون بلغة الشغف، والهوية، والعدالة المباشرة. غالباً ما تتجاوز هذه الرسائل الانفعالية والقوية حدود العقلانية الحداثية، وأحياناً تكون مناهضة لها بشكل صريح.
لقد كانت الحداثة تحمل بذور فشلها في ذاتها؛ ليس بالضرورة في إخلاصها لمبادئ التحرر، بل في نظرتها غير الواقعية للإنسان. كان الإخفاق الحقيقي يكمن في فشل روادها في بناء جسر تواصلي بين الفكر العظيم والمجرد وبين الفعل البشري اليومي والبسيط. طالما بقيت الحداثة تتحدث بلغة لا يفهمها من يُفترض أن يحمل عبئها، فستظل عرضة للانهيار أمام خطاب أي قائد استبدادي يستطيع أن يلامس عواطف الجماهير ويرتقي على أكتاف اغترابها الفكري؛ فمهمة التحرر لا تقع فقط على عاتق الفكرة، بل على عاتق الإنسان الفاهم والمتفاعل معها.

أضف تعليق