الجغرافيا قدرٌ لا يُفارق الإنسان… من حتمية التضاريس إلى مرونة المصير

لطالما شغلت علاقة الإنسان بمحيطه الجغرافي الفكر البشري، فهي ليست مجرد خلفية ساكنة للحياة، بل هي مُصمّم رئيسي لمسارها. إن القول بأن الجغرافيا هي قدرٌ لا مفر منه ليس مبالغة، بل إقرار بواقعية الضوابط والمحددات التي يفرضها المكان على الفرد والجماعة الإنسانية، بدءاً من تفاصيل الحياة اليومية وصولاً إلى صياغة مصائر الدول. حتى عندما يتمكن الفرد من مغادرة مجاله الجغرافي الأصلي، يبقى هذا القدر ملازماً له، ينتقل معه متجسداً في المحددات الجديدة لبيئته المكتسبة. فالتاريخ البشري يشهد، وكذلك وقائع الحاضر، بأن القدر الجغرافي غالباً ما يكون القوة الدافعة وراء التحولات والصراعات الكبرى. إن موقع دولة ما، وتضاريسها، وامتلاكها للموارد الطبيعية، أو افتقارها إليها، ليس مجرد عوامل، بل هي شروط تأسيسية لمسار تطورها السياسي والاقتصادي.
بالرغم من أن القدر الجغرافي لا ينفرد وحده في رسم معالم الواقع البشري، فبجانبه عوامل كالتكنولوجيا والإرادة السياسية والثقافة، فإن للمتابعة الموضوعية ما يبرر منحه تفوقاً ملحوظاً على باقي الأقدار. ذلك التفوق ينبع من كونه الأساس المادي الذي تبنى عليه جميع الأقدار الأخرى.
في هذا السياق، يأتي كتاب “سجناء الجغرافيا: عشر خرائط تخبرك كل ما تحتاج إلى معرفته عن السياسة الدولية” للكاتب تيم مارشال ليؤكد هذه الرؤية بقوة. يرتكز الكتاب على أطروحة مركزية مفادها أن الجغرافيا (سواء كانت سلاسل جبلية أو سهولاً مفتوحة أو أنهاراً أو موانئ متجمدة) هي المحدد الأهم والأكثر حتمية في تشكيل سياسات الدول الخارجية وتحديد صراعاتها الداخلية.
ولقد تعرض الكتاب الى جملة من الانتقادات طالت تركيزه على دور الجغرافيا المبالَغ في تقديره، وذلك من منظور دعى لأعتماد مقاربة تأخذ بالحسبان دور عوامل أخرى كالإرادة البشرية والقيادة السياسية والآيديولوجيا والثقافة في التغلب على القيود الجغرافية أو إعادة تعريفها. ولقد تطرقت انتقادات أخرى الى تغاضي الكتاب عن التكييف التكنولوجي؛ فالتكنولوجيا الحديثة (كالمواصلات المتقدمة والاتصالات) سمحت للإنسان بالتغلب على العديد من العوائق الجغرافية التي كانت حتمية في الماضي. ولقد أجمعت هذه الانتقادات على تشخيص نزعة الكتاب الاختزالية للقضايا المعقدة؛ حيث يتم اختزال الصراع متعدد الأوجه إلى عائق جغرافي واحد أو اثنين.
وعلى الرغم من هذه الانتقادات، يظل الكتاب صامداً في إعادة تسليط الضوء على الجغرافيا كقوة لا يمكن إغفالها. إن نجاح الكتاب يكمن في تأكيده على أن الجغرافيا هي أحد أهم المحددات (وليست المحدد الوحيد)، مما يبرر دورها المركزي والمحوري في صياغة مصائر الشعوب.
إن مفهوم القدر الجغرافي يتجلى على نطاق الأفراد بنفس القوة التي يظهر بها على نطاق الدول. لا يختلف هذا القدر عن الأقدار الأخرى التي تُصاغ بها الهوية الفردية، مثل القدر البيولوجي أو العرقي أو الجنسي أو الزماني (أي أن تولد في حقبة تاريخية معينة).
• التحديد الأولي للهوية: القدر الجغرافي هو الذي يحدد إن كنت ستولد في بيئة جبلية أو ساحلية، ضمن دولة غنية بالموارد أو فقيرة، في منطقة معتدلة أو متطرفة مناخياً. هذا التحديد يساهم بشكل كبير في صياغة سماتك الشخصية، وفرصك الاقتصادية، وحتى غذائك وثقافتك.
• الملازمة والمرونة: يبقى القدر الجغرافي أكثر الأقدار ملاصقة للفرد أينما حل أو ارتحل، فهو يتجسد في الموقع الجديد فور الانتقال إليه. لكن في الوقت ذاته، هو أكثرها مرونة وقدرة على التكييف والتغيير. الانتقال في المكان من مجال جغرافي إلى آخر يسمح للفرد بتغيير قدره الجغرافي، وبالتالي تغيير قدره الاقتصادي والاجتماعي المرتبط به.
في الختام، يمكن القول بأن الجغرافيا هي قدر أساسي، فهي تضع نقاط البداية وتحدد مساحة المناورة. لكن الفارق الجوهري هو أن هذا القدر، بعكس القدر البيولوجي (كالجنس أو العرق)، يمنح الإنسان خيار التكيف والتطوير عبر الانتقال. فإذا كانت الجغرافيا سجناً، فهي على الأقل سجن ذو أبواب مفتوحة، تسمح بتبديل السلاسل القديمة بسلاسل جديدة، لتبقى المقولة القانون: “لا يمكن للإنسان أن يهرب من الجغرافيا، بل يختار جغرافية أفضل”.

أضف تعليق