
يمثّل الحديث النبوي الشريف: “دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، ولَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِن خَشَاشِ الأرْضِ” موضعاً لإشكالٍ معرفي وتفسيرٍ متباين عبر التاريخ. وقد انصبّ الإشكال في جوهره على ما يبدو من عدم تناسبٍ بين الفعل المرتكب، وهو حبس الهرة حتى الموت، وبين الحكم الأخروي المتمثل في دخول النار. وقد تعلّق هذا الإشكال، في أغلب صِيَغه، بنمطٍ شائع من التفكير يقوم على منطق المفاضلة بين الأفعال وفق ميزان «الأعظم والأهون»، ووفق تصورٍ أخلاقي يُقارب الجزاء الأخروي على أساس حجم الفعل المجرَّد، لا على أساس الهيئة النفسية العميقة التي تصدر عنها الأفعال. ومن هنا نشأت اعتراضاتٌ شكّكت في صحة الحديث، أو استنكرت حكمه، أو رأت فيه مبالغة لا تتماشى مع معيار العدالة كما تتصوره العقول الحديثة. غير أنّ هذه المقاربات، على تنوّعها، تفترض افتراضاً مسبقاً هو عين موضع الخلل: أن الجزاء الأخروي مرتبطٌ بصورة ميكانيكية بالفعل الجزئي المجرّد، لا ببنية النفس الإنسانية التي يصدر عنها الفعل. وبذلك تغيب عن الاعتبار واحدة من أهم بديهيات النظر القرآني والنبوي لطبيعة الإنسان التي مفادها أن النفس، بعد التحويلة التطورية التي انفصل بها الإنسان عن السلوك الحيواني الطبيعي، أصبحت قابلة للتشكُّل على هيئة دائمة تستبطن صفات القسوة والقهر والتلذذ بإيقاع الألم على الضعفاء.
المقاربة الميتابايولوجية تُقدم، باعتبارها مقاربةً تُعيد قراءة الظاهرة الإنسانية في ضوء الحدث التطوري المفصلي الذي أنتج النفس البشرية، أساساً تفسيرياً أكثر عمقاً لهذا الحديث الشريف. فوفق هذا المنظور، لا يُقاس فعل المرأة قياساً مادياً مباشراً (هرةٌ حُبست حتى ماتت)، بل يُقاس استناداً إلى البنية النفسية التي مَكَّنت لهذا الفعل، والتي تكشف عن هيئة وجودية تتجاوز الظرف الجزئي إلى نمطٍ متكرّر من السلوك. إن النفس التي تطيق تعذيبَ مخلوقٍ ضعيف لا حول له ولا قوة، وتستمتع بالسيطرة عليه وحرمانه من الحدّ الأدنى للبقاء، هي نفسٌ قد استقرّت على هيئةٍ من القسوة النَسَقية التي تُمارَس بوعيٍ أو بلا وعي. وهذه الهيئة ليست طارئة، وليست قابلةً للانقلاب بمجرد الموعظة أو الندم الظرفي؛ بل إنها، بحسب علم النفس التطوري والميتافيزيقا القرآنية للنفس، تمثّل تشكُّلاً راسخاً يلازم صاحبه ويحدّد قابلية تحوّله الأخلاقي.
ومن هنا يصبح الحكم الأخروي في الحديث مفهوماً ضمن إطارٍ أنطولوجي وليس أخلاقي محض: فالنفس التي استحكمت فيها هذه البنية القاسية، بحيث غدا وجودُ الضعف أمامها دعوةً إلى مزيد من الإيذاء، هي نفسٌ مؤهّلة لأن تتخذ هذا النمط السلوكي مع كل ضعيف: طفلاً كان أم شيخاً أم مريضاً أو أي كائن يقع تحت قدرتها. إن الفعل في الحديث إذن ليس سبب الحكم، بل علامة على هيئة النفس التي حملت صاحبَتها على ذلك الفعل. وبذلك ينتفي الإشكال المتوهم حول «عدم تناسب العقوبة»، لأن العقوبة لا تتعلّق بفعلٍ منفرد، وإنما بهويةٍ نفسية اكتملت واستقرّت على نمطٍ من القسوة لا يختلف في جوهره باختلاف موضوعه. كما وتقدّم الميتابايولوجيا تفسيراً إضافياً يعمّق فهم نصّ الحديث: إذ تذهب إلى أن النفس البشرية، بعد “التحويلة التطورية”، أصبحت قابلةً لدرجات من العدوانية والتشفّي لا وجود لها في النظام الحيواني الطبيعي. فالحيوانات لا تمارس التعذيب ولا القسوة لذاتها، ولا تتلذذ بإيذاء الأضعف؛ بل إن عدوانها مُسَيّر بقوانين حفظ النوع والبقاء. أما الإنسان، فإن “النفس” فيه، بوصفها كياناً مستحدثاً خارج النسق الطبيعي، تمتلك قابليةً لإحداث الألم بوصفه غاية لا وسيلة. وهذا النمط من القسوة المجرّدة، الذي يكشفه الحديث، هو في ذاته تجلٍّ لنقطة الانحراف الكبرى التي يصفها مشروع الميتابايولوجيا.
وعليه، فالمرأة المذكورة في الحديث ليست حالةً استثنائية، ولا يُنظر إليها من زاوية الفعل الجزئي وحده، بل من زاوية ما يستبطنه فعلها من استعداد نفسي عامّ للتنكيل بالأضعف كلما توافرت لها الظروف. ومثل هذه النفس، بحسب التصوير القرآني، هي “نفسٌ خبيثة” اكتملت ماهيتها بحيث يصبح الخلود، لا مجرد العذاب، انعكاساً لحقيقتها لا لحادثةٍ عابرة في حياتها.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن فهم الحديث النبوي الشريف في ضوء المقاربة الميتابايولوجية يتيح تجاوز الإشكال الأخلاقي السطحي الذي بني على المفاضلة بين حجم الفعل وحجم الجزاء، ويقدّم بدلاً منه تفسيراً بنيوياً لطبيعة النفس التي يُنسب إليها الحكم. فالحديث، في هذا المنظور، ليس تعليقاً على سلوكٍ جزئي، بل كشفٌ عن الهيئة الوجودية التي تستقر فيها النفس البشرية إذا ما انحدرت إلى أقصى درجات القسوة وانعدام التعاطف. وعند هذا الحدّ، يصبح الحكم الأخروي نتيجةً طبيعيةً لاختلالٍ جوهري في بنية النفس، لا جزاءً لفعلٍ مادي محدود.
