
تكفل لنا المقاربةُ القرآنية للقرآنِ العظيم، بالاكتفاءِ بتدبُّرِ بعضِه ببعض، أن نتبيَّنَ ما يستخفي على أيِّ مقاربةٍ أخرى تستعين بغيرِ هذا القرآن. ومن ذلك، تبيُّنُ ما فصَّلته لنا آياتُه الكريمة من تمايزٍ جوهري بين نمطَين للشفاء لا ثالث لهما: “نمطٌ سببي” يمثِّله السوادُ الأعظم من كلِّ شفاء قُدِّرَ لنا أن نحيطَ بأسبابِه التي قيَّدَها اللهُ تعالى بقوانين لا تملك حريةَ الاستعصاء عليها. وبالإمكان تبيُّنُ مثال قرآني على هذا النمط بتدبُّر الآيتَين الكريمتَين 68- 69 النحل: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون).
أما النمط الثاني، فهو “شفاء مُعلَّل” بعلةٍ من “لدن الله” هي في حقيقتِها تجلٍّ لقولِ اللهِ تعالى للشيءِ إذا أراده أن يقولَ له “كن فيكون”. وهذا النمط من الشفاء قد جعله اللهُ تعالى يستعصي على أيِّ محاولةٍ من جانبِ الإنسان لفكِّ إلغازِه وتبيُّنِ إبهامِه. ولقد تعددت المواضعُ القرآنيةُ التي اشتملت على أمثلةٍ لهذا النمط الشفائي:
1- (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ( (80 الشعراء). فالنبي إبراهيم، ومن بعد قرارِه باعتزالِ قومِه، لم يكن هناك في البريةِ التي التجأ إليها بعيداً عنهم، طبيبٌ يداويه إذا ما مرض. فاللهُ تعالى كان يداوي مَن اتخذه خليلاً بدواءٍ “من لدنه”.
2- (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (من 82 الإسراء).
3- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (57 يونس).
4- (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) (من 44 فُصِّلت).
فالقرآنُ العظيم قد اختصَّه اللهُ تعالى بأن جعل في آياتِه سراً لا يفعل فِعلَه الشفائي في القلوب إلا إن كان أصحابُها من المؤمنين الذين استفاضَ القرآنُ في تبيانِ ما هم عليه مع الله من حالٍ قوامُه ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ بعضٍ من المواضعِ القرآنية التي فصَّلت هذا الحال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ. أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (1- 11 المؤمنون).
