
الاحتكامُ إلى العقل، وتغليبُ منطقِه، هما كلُّ ما يقتضيه الأمرُ حتى تكونَ مقاربةُ الإنسانِ للقضايا الخلافية أقربَ لما يمكِّنُه من تبيُّنِ صحيحِها من زائفِها وصالحِها من خبيثِها. غير أنَّ الإنسانَ، وبحكمِ ماضيه التطوري الاستثنائي، قد يُعمَّى عليه ذلك فيجنح لتحكيمِ ما تُمليه النفسُ ويزيِّنُه الهوى في تلك المسائل التي لا سبيلَ لتفادي فتنتِها، والوصولِ إلى الحكمِ الموضوعي النزيه بشأنِها، إلا بالتجرد من كلِّ ما جرَّته علينا إنسانيتُنا الملتاثة بهذه النفس والمعذَّبة بهذا الهوى.
وخير مثال بوسعِه أن يُريَنا ما نحن عليه من تغليبٍ لهمزاتِ النفس، وإيثارٍ للاحتكامِ إلى نزغِ الهوى، هو ردُّ الفعل الذي أبداه كلٌّ ممن يحسب أنه قد تديَّن التديُّنَ الحق بالدين الحق، وكلُّ مَن يتوهَّم أنه قد اتخذ هواه ولياً مرشداً من رجالاتِ العِلم وقادةِ الفكر. فلو أنَّ المبالغين في حسنِ ظنِّهم بتديُّنِهم قد أخضعوا ما قدَّمته الداروينية من حقائق تجريبية وملاحظاتٍ بالإمكانِ التحقُّق على الدوام من صحَّتِها، والتيقُّن من عِلميَّتِها، لَما سارعوا إلى الحكمِ عليها بأنها كفرٌ صُراح، وبأنَّ ترديدَ مقولاتِها يجعل من المرءِ ملحداً بالضرورة! ولو أنَّ السوادَ الأعظم من المؤمنين بالداروينية لم يتخذوا من مقولاتِها أدواتٍ يصارعون بها مَن ناصبَهم العداء دون وجهِ حق من المتدينين لكانوا قد تبيَّنوا أن للداروينية مجالاً تعمل ضمن حدودِه كساعةٍ سويسرية، فإن أخرجتَها منه تعطلت فلم يعد بمقدورِها أن تفسِّرَ ما يقع خارجَ نطاقِ تخصُّصِها. فالداروينية بإمكانِها أن تفسِّرَ الغالبيةَ العظمى من كلِّ ما هو ذو صلةٍ بعالَمِ النباتِ والحيوان، وبكلِّ ما هو حيواني في الإنسان.
ولكن المشكلةَ تكمن في أنَّ الإنسانَ ليس “حيواناً متطوراً” فحسب، وبرهان ذلك هو عجزُ الداروينية عن التعليلِ لكلِّ ما هو “غير حيواني” في الإنسان من سلوكياتٍ وأفعالٍ وردودِ أفعال. فالداروينية ترفض الاعترافَ بأنَّ هنالك ما هو “غير حيواني” في الإنسان، ولذلك فإنَّ إصرارَها على أنَّ كلَّ ما في الإنسان قابلٌ لأن يُعلَّلَ له بدلالةٍ من ماضيه الحيواني قد جعلَها تتحول من “نظامٍ تفسيري عِلمي” إلى إيديولوجيا ميتافيزيقية بسببٍ من إقحامِها “غيرِ العِلمي” لمقاربتِها الحيوانية للإنسان في صُلبِ منظومتِها المعرفية.
إذاً، فما الذي يستحقُّ الإبقاءَ عليه في الداروينية؟
تكمن الإجابة على هذا التساؤلِ المشروع في كلِّ هذا الذي يتمايز به الإنسانُ عن الحيوان من سلوكياتٍ وميولٍ ونَزَعات تقفُ الداروينيةُ عاجزةً حيالَها. فنحن نحتاج الداروينيةَ إذاً ما تعلَّق الأمر بعالَمِ النباتِ والحيوان، وبكلِّ ما هو حيواني في الإنسان. أما خلاف ذلك فلا ينبغي لنا أن ننشغلَ بشيءٍ منه أما وأنه يمثِّل “إيديولوجيا داروينية” يكفيها ميتافيزيقيةً عجزُها عن تقديمِ تصورٍ دارويني متكامل للإنسان بكلِّ ما ينطوي عليه كيانُه من غموضٍ وإبهامٍ وتعقيد.
