صاحِب مخالِفَكَ في الرأي في الدنيا بالمعروف

يكفلُ لنا تدبُّرُ القرآنِ تبيُّنَ البونِ الشاسع بين الخُلُق السائد وبين ما فصَّلته آياتُه من محدِّداتٍ سلوكية وضوابط خُلُقية لابد لكلِّ مَن لم يتخذ القرآنَ مهجوراً أن يتقيَّدَ بما تُمليه عليه حتى يكونَ من الذين دخل الإيمانُ في قلوبِهم. فاللهُ تعالى لم يدَع الإنسانَ يقلِّب بعقلِه السبلَ الكفيلةَ بجعلِه يصبح إنساناً فاضلاً لا يخضع لسلطانِ النفس ولا يسمع لما يأمرُه به هواه.
ولذلك فلقد تعهَّدَ اللهُ تعالى الإنسانَ، ومنذ بداياتِ انتشارِه على هذه الأرض، بتبيانِ كلِّ ما من شأنِه أن يُعينَه على نفسِه ويقهرَ سلطانَ هواه. فالإنسانُ مهما جدَّ واجتهد، وحاول أن يضعَ اللوائحَ الكفيلةَ بجعلِه في حالٍ أفضل مما هو عليه، فلن يفلحَ في ذلك طالما كانت النفسُ لا تفهم غيرَ لغةٍ واحدةٍ بِعينِها ألا وهي اللغةُ التي ضمَّنها الوحيُ الإلهي في ثنايا أوامرِه التعبدية. ولذلك كان هذا البونُ الشاسع بين الإنسانِ كما نعرفُه والإنسانِ كما خُلِقَ ليكونَه. وإلا فكيف نستطيع أن نعلِّلَ لهذا التناقضِ الصارخ القائم بين ما يأمرُنا به اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم من مخالقةِ الناس بخُلُقٍ حسِن وبين ما نحن عليه من فجاجةِ الطبع وغلاظةِ القلب وقساوةِ الألفاظ وسوءِ الظن والتشكيكِ في النوايا؟ وبأيِّ وجهٍ سنقابلُ اللهَ تعالى يومَ القيامة ونحن لا نُحسِن شيئاً قدرَ التفنُّنِ في إيذاءِ الآخرين بوجوهِنا المكفهرة العابسة وبكلماتِنا المبطَّنة؟! وما الذي رآه علينا مخالفونا في الدينِ والمذهبِ والمعتقد غيرَ ما عزَّزَ عندهم سوءَ ظنِّهم في دينِنا ومذهبِنا ومعتقدِنا؟ ومَن الذي أعطانا سلطةَ الحكمِ على الناس حكماً أبدياً نأبى أن نراجعَه فنعيدَ النظرَ فيه؟ ولماذا لا نتبيَّن ذلك النظامَ الخُلُقي الشامل الذي شيَّدت أركانَه آياتٌ قرآنيةٌ لو أننا تدبَّرناها لما اكتفينا بقراءتِها وتلاوتِها وحفظِها وترديدِها دون تدبُّرٍ كان ليجعلَنا أكثرَ رحمةً بالناسِ وتعاطفاً معهم وإشفاقاً عليهم، وإلى الحدِّ الذي يجعلنا نخجل من سلوكياتِنا وتصرفاتِنا، ونحن نقرأ كلماتٍ للهِ تعالى تفيضُ رقةً وحناناً وعطفاً ورحمة للناسِ كلِّهم جميعاً: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) (من 30 يس).
فمتى نكفُّ عن الإنصاتِ لنزغِ أنفسِنا وهمزاتِ هوانا؟ أليس اللهُ تعالى هو القائل: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (من 83 البقرة)؟ ألم نسمع قولَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: “الكلمةُ الطبيةُ صدَقة” وقولَه: “لا تحْقِرَنَّ من المعرُوفِ شيْئًا ولوْ أنْ تلْقَى أخاكَ بوجْهٍ طلْقٍ”؟
فاللهُ تعالى، الذي أمرَ الإنسانَ بأن يصاحبَ والدَيه في الدنيا معروفاً وإن اجتهدا الجهدَ كلَّه ليجعلاه يُشرِك به، ما كان ليقصرَ أمرَه هذا على الوالدَين دون أن يشملَ به كلَّ مخالفٍ لك في الدينِ والمذهبِ والمعتقد: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (من 15 لقمان).
إذاً فمصاحبةُ مخالفِك في الرأي في الدنيا بالمعروف هي قوامُ النظامِ الخُلُقي الذي ينبغي عليك أن تتخلَّقَ به، وذلك بأن تطوِّعَ النفسَ على الانصياعِ لأوامرِه والانتهاءِ بنواهيه.

أضف تعليق