
إن مبدأ “فرّق تسد” (Divide et Impera) الذي اشتهر كاستراتيجية عسكرية وسياسية كلاسيكية، لم يختفِ مع تطور الحروب، بل تحوّر وتسلل بذكاء ليصبح قوة دافعة خفية في آليات السيطرة الحديثة، وتحديدًا في تشكيل الوعي الاجتماعي وهيكلة المعرفة. هذا المقال يستكشف تطبيق هذه الاستراتيجية في سياقين محوريين: تشتيت الحركات الاجتماعية المناهضة وتفتيت الرؤية المعرفية الكلية. في المجتمعات الرأسمالية الغربية، حيث تتراكم الثروة والسلطة في أيدي قلة، يمثل التوحد الطبقي أو الاقتصادي التهديد الأكبر للنظام القائم. وهنا يبرز التطبيق الماكر لاستراتيجية “فرّق تسد” لتحييد هذا التهديد. بدلًا من مواجهة النظام الاقتصادي الرأسمالي ككتلة واحدة مطالبة بالعدالة الشاملة، نجحت القوى المهيمنة في تفكيك هذه الكتلة إلى قضايا جزئية متنافسة؛ ويتم ذلك عبر الخطوات التالية:
1. تُجزيء المطالب إلى هويات: يتم فصل حركة المطالبة بالحقوق الاقتصادية الشاملة إلى حركات تركز على الهوية: حركة لحقوق المرأة وحركة الحقوق المدنية (التي ركزت على الأمريكيين من أصل أفريقي) وحركات المهمشين اجتماعيًا واليساريين بأطيافهم.
2. خلق التنافس والنفور: يصبح كل جزء مهمومًا بقضيته الخاصة، ويُنظر إلى مطالب الجماعة الأخرى (أحيانًا بشكل متعمد ومُغذى إعلامياً) على أنها منافسة على الموارد أو الاهتمام السياسي، أو حتى على أنها غير ملائمة لقضيته الأساسية.
3. تخفيف زخم التمرد: النتيجة هي تشتت هائل في زخم الأصوات المتمردة. لم يعد هناك صوت ضخم موحد يتحدى جوهر النظام الاقتصادي الظالم، بل أصوات متعددة، كل منها يفتقر إلى قوة الدعم المشترك اللازمة لإحداث تغيير جذري، مما يفت في عضد كل جماعة على حدة.
بهذه الطريقة، يتم تحويل الصراع من صراع أفقي بين “الطبقات” أو “المظلومين ضد النظام” إلى صراع عمودي/داخلي بين “المظلومين أنفسهم”.
قد يكون التطبيق الأكثر خبثًا لاستراتيجية “فرّق تسد” هو ذاك الذي يتم في ساحة العلم والمعرفة، عبر “التخصصية المفرطة”. يُعزز النظام البحثي والجامعي المعاصر بشكل كبير مبدأ التخصص الدقيق، حيث تُحصر الجهود العقلية المتميزة في نطاقات بحثية متخصصة تزداد ضيقاً عامًا بعد عام.
إن حجب الرؤية الكلية (Panoptic View) هي الأداة المثلى للقضاء على أي محاولة للنظر البانورامي الموسوعي. حيث يتم تشجيع الباحثين على التعمق في “شجرة” واحدة (مجال بحثي دقيق جدًا) حتى يصبحوا خبراء لا يُضاهون فيها. لكن الثمن هو العجز عن رؤية “الغابة بكاملها”؛ حيث يصبح العالم محاطًا بكم هائل من البيانات المتخصصة التي لا يمكن لأي فرد أو مجموعة صغيرة ربطها ببعضها البعض للخروج بتحليل شامل لكيفية عمل الأنظمة الكبرى (الاقتصاد، السياسة، البيئة، إلخ) ككل مترابط.. في المقابل، فإن القوى التي تهيمن على هذه المجتمعات (الشركات الكبرى، المؤسسات المالية، الحكومات) هي الوحيدة التي تملك القدرة والموارد لجمع وتنسيق هذه الأجزاء المتخصصة من المعرفة، مما يمنحها ميزة استراتيجية لا تُقهر في الفهم واتخاذ القرارات الكلية. بهذه الطريقة، يتحول “التخصص” من ضرورة منهجية إلى أداة للسيطرة المعرفية؛ حيث يتم تشتيت وتفريق العقول النيرة في ميادين صغيرة، بينما تظل الرؤية الكلية محصورة في أيدي القلة المهيمنة.
لم تعد “فرّق تسد” مجرد تكتيك لتفكيك الجيوش، بل أصبحت هندسة اجتماعية ومعرفية تهدف إلى تفتيت الجبهة الموحدة لأي مقاومة محتملة. سواء كان الهدف هو إضعاف المطالبين بالعدالة الشاملة عبر قضايا الهوية الجزئية، أو شل القدرة على التحليل الكلي عبر التخصص المفرط، فإن الجوهر يظل واحدًا: منع ظهور قوة موحدة قادرة على رؤية النظام وتحديه كوحدة واحدة.
