هل من سبيل لإنتشال العلم المعاصر من ركوده المعرفي؟

لقد شهد العالم، على مدى قرنين، سلسلة من الثورات العلمية الكبرى التي قوضت أركان التصورات السابقة – من الثورة الكوبرنيكية، مروراً بالنيوتونية، وصولاً إلى ثورة النسبية وميكانيكا الكم التي اكتملت معالمها في النصف الأول من القرن العشرين. كانت كل ثورة من هذه الثورات تمثل “قطيعة إبستمولوجية” جذرية أعادت تشكيل رؤيتنا للعالم. لكن، بالنظر إلى واقع البحث العلمي المعاصر، نجد أنفسنا أمام ركود معرفي مستمر منذ عقود، على الرغم من التطور الهائل في الأدوات والتقنيات. لقد أصبح العلم أسير افتراضات سائدة عمرها قرن من الزمان، ومثقل بمحددات إيديولوجية ونزعات سوقية ربحية ضيقة، جعلته يراوح مكانه دون تحقيق ذلك الاختراق المعرفي الذي يشبه الثورات السابقة. هنا، يصبح استحضار المفاهيم الرئيسة للفيلسوف الفرنسي غاستون باشيلار (Gaston Bachelard) ضرورة حتمية، كونه الفيلسوف الذي صاغ النظرية الأكثر إحكاماً لتفسير ديناميكية التقدم العلمي: التقدم عبر القطع والتصحيح.
إن المقاربة الباشلارية لتاريخ العلم تقوم على فكرة أن التقدم العلمي لا يتحقق بالتراكم، بل عبر تجاوز العوائق الإبستمولوجية (Les Obstacles Épistémologiques). هذه العوائق ليست أخطاء تجريبية، بل هي عادات ذهنية أو أفكار مسبقة أو مفاهيم راسخة تمنع العقل من رؤية الواقع بشكل جديد.
اليوم، يمكن تشخيص العوائق الإبستمولوجية في العلم المعاصر على النحو التالي:
1. العائق المفهومي الراكد (ميكانيكا الكم والنسبية): لقد أصبحت مفاهيم ميكانيكا الكم والنسبية العامة، التي كانت ثورية في زمانها، تشكل اليوم إطاراً جامداً ترفض المجتمعات العلمية التشكيك فيه جذرياً. العلم اليوم محصور داخل هذه النظرة للعالم، مفضلاً الترقيع أو الإضافة الطفيفة بدلاً من هدم الرؤية بأكملها.
2. العائق الإيديولوجي والسوقي: لقد استشرت في النظام المعرفي محددات غير علمية؛ حيث أصبحت الأبحاث التي لا تعِد بعائد اقتصادي أو لا تخدم أجندة إيديولوجية محددة تُهمش، وتحول العلم من بحث عن الحقيقة إلى أداة إنتاج تقنيات وخدمات، مقيدة بما يمليه “منطق السوق” و”نزعة التطبيق الفوري”. وهذا يمثل عائقاً مادياً وذهنياً يمنع الانخراط في البحث الجذري الذي لا يمكن “بيعه” فوراً. يقول باشيلار: “الحقيقة العلمية هي تصحيح للأخطاء الطويلة”. فإذا توقف العلم عن البحث الجذري عن أخطائه، فقد تجمّد بالضرورة.
فما الذي بإمكاننا القيام به لمواجهة هذا الركود؟ علينا أن نطالب العلم بأن يعود إلى المفهوم الباشلاري الجوهري: القطيعة الإبستمولوجية (La Rupture Épistémologique). فإن القطيعة هي الفعل الواعي للعقل العلمي الذي ينفصل عن الماضي المعرفي السائد، ويُدرك أن العقلانية الجديدة يجب أن تبنى على أرضية مختلفة تماماً. كان باشيلار يؤكد أن المعرفة العلمية تُبنى ضد المعرفة العامية والبداهة الحسية. اليوم، يجب أن يُفهم هذا المفهوم على أنه ضرورة بناء رؤية جديدة للعالم تتعارض بجرأة مع ما نعتبره “حقيقة مسلم بها” في الفيزياء أو البيولوجيا (كما تعارضت الفيزياء الكمومية مع فيزياء نيوتن). كما ويحتاج العلم المعاصر إلى استعادة الجدلية الحقيقية بين العقل النظري والواقع التجريبي. فالنظرية يجب أن تكون قادرة على توليد مفاهيم جديدة رياضية مجردة تُفرض على التجربة، لا أن تكتفي بالتفسير المحدود للبيانات المتاحة ضمن إطار قديم. فالإمكانات التكنولوجية الهائلة (الذكاء الاصطناعي، المعالجة الضخمة للبيانات، أدوات القياس الفائقة) المتاحة اليوم كفيلة بتوليد قطيعة جذرية، لكنها لن تتحقق إلا إذا تخلت العقول العلمية عن التشبث بالمفاهيم التي سادت المائة عام الماضية، وأن تجرؤ على “تحليل نفسي” لفرضياتها المستقرة.

يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أننا مطالبون اليوم بأن ندعوَ لإعادة تكوين العقل العلمي، وذلك بأن نبدأ أولاً بالتساؤل: ألم يكن هذا الركود المعرفي دليلاً على أننا لم نُحدث بعد القطيعة الكافية؟ إن استحضار غاستون باشيلار ليس مجرد ترف فكري، بل هو دعوة عملية لإعادة تكوين العقل العلمي وتحريره من قيوده السوقية والمفهومية. الثورة العلمية القادمة لن تظهر في مختبر مجهز بالتقنيات فحسب، بل ستنطلق من مراجعة إبستمولوجية جذرية لـ “الأساسيات” التي نعتمدها في فهمنا للعالم. إن التحدي اليوم ليس تحدي تقنية، بل تحدي إرادة معرفية تتبنى شعار باشيلار: “الواقعية هي ثمرة عملية، وليست أساساً لها.” فهل سيتحرر العلم المعاصر من أسر مفاهيمه ليعيد صياغة واقعنا الكوني من جديد؟

أضف تعليق