
لا تتجلى مقولة “فرّق تسد”، في ضوء مشروع الميتابايولوجيا، كمجرد أداة خارجية تُمارَس من قِبل القوى السياسية أو الأنظمة الاقتصادية، بل تمثل امتدادًا لشرخٍ بنيوي أعمق بدأ مع التحويلة التطورية التي أصابت الإنسان عند لحظة خروجه على النسق الحيواني الطبيعي. ذلك الحدث الميتابايولوجي الذي أفرز “النفس” بوصفها كيانًا مزدوج الإرادة ومنقوص الانسجام ومنطويًا على قابلية مدهشة للتشظّي الداخلي. إنّ تفتيت القوى الاجتماعية وتمزيق الحركات الاحتجاجية وتجزئة الحقول المعرفية، ليست إلا تجليات حديثة للسمة الجوهرية للنفس الإنسانية كما يقرأها المشروع: الانقسام. فتفتيت الحركات الاجتماعية هو انعكاس للشقاق الداخلي في النفس. يذهب المشروع الميتابايولوجي إلى أن النفس الإنسانية، بخلاف الحيوان، نشأت بوصفها ساحة صراع دائم بين إرادتين إرادة الانضباط بنظام الوجود وإرادة التمرد على ذلك النظام. من هنا يصبح تفتيت الحركات الاجتماعية في الغرب الحديث ليس مجرد سياسة مقصودة، بل هو أيضًا صدى بنيوي لطبيعة الإنسان المنقسمة. فالحركات التي كان من الممكن أن تتوحد حول مطلب العدالة البنيوية انشطرت إلى حركة تدافع عن المرأة وحركة الأمريكيين من أصول أفريقية وحركة المهمشين والحركات اليسارية المتعددة والحركة البيئية والحركات الطلابية. هذه التشظيات ليست طارئة، بل تعكس بالضبط ما تؤكده الميتابايولوجيا: الإنسان كائن فقد القدرة على صياغة إرادة واحدة، وامتدت هذه الثنائية إلى كل تجلٍّ اجتماعي له.
إنّ القوى المسيطرة لم تبتدع آلية “فرّق تسد” من عدم؛ بل استثمرت في القابلية الميتابايولوجية الأصلية للانقسام، واستغلت الميل الداخلي للتشظي الذي تحمله النفس البشرية ذاتها. فالميتابايولوجيا ترى أن التحويلة التطورية لم تُنتج “وعياً متسقًا”، بل “وعياً مركّبًا”، ينزع إلى تحليل الأشياء، لكنه يفشل في إعادة تركيبها ضمن منظومة واحدة. وهذا ما يُفسّر كيف صار التخصص المفرط سمة العصر.
1. التخصص كاستثمار في القابلية الميتابايولوجية للتشظّي: لم يكن التخصص الأكاديمي مجرد تطور منهجي بريء، بل عملية تاريخية استفادت من ميل العقل الإنساني إلى التركيز على الجزئيات والخوف من الكلّيات والعجز عن الإحاطة الشمولية بسبب الانقسام البنيوي داخل النفس. وهكذا، كلما ازداد الإنسان غرقًا في التخصص، ازداد عجزه عن رؤية “الصورة الكبرى”؛ تلك الصورة التي كانت شرطًا أساسيًا لظهور العقل المتوازن قبل التحويلة التطورية.
2. استحالة الرؤية البانورامية في ظل نفس منقسمة: إن العقل الذي تفككت وحدته بانقسام النفس، لا يستطيع اليوم إلا أن يدرس “الشجرة” دون أن يتساءل عن “الغابة” ويرى “الظاهرة” دون أن يدرك “النسق” ويبرع في الحسابات الدقيقة، لكنه يعجز عن تبين الحكمة الكلية. وهذا هو التطبيق الإبستمولوجي (المعرفي) الأعمق لـ”فرّق تسد”: تفتيت العقل حتى لا يعود قادرًا على مقاومة البنية التي تقوم بتفتيته.
فوفقاً للميتابايولوجيا الإنسان ليس وحدة متماسكة؛ بل كائن منقسم من الداخل، تتصارع فيه إرادتان وتتنازعه رغبتان وتشدّه بنى بدائية نحو سلوكيات لا تتسق مع عقله الأعلى. وهكذا تتجلى “فرّق تسد” في مستويات ثلاثة:
1. على مستوى النفس: إرادتان لا تتصالحان.
2. على مستوى المجتمع: حركات وجماعات متفرقة لا تجتمع على رؤية واحدة.
3. على مستوى المعرفة: تخصصات معزولة لا تُنتج نظرية شمولية.
كل هذه المستويات ليست متوازية فحسب، بل نابعة من الجذر نفسه: التحويلة التطورية التي أنتجت النفس بوصفها انقسامًا داخل الوعي.
يُقدم المشروع الميتابايولوجي تفسيرًا أكثر عمقًا للمقولة؛ إذ أنها ليست مجرد تقنية في يد الأقوياء، ولكنها تمثل استثماراً في انقسامٍ ميتابايولوجي أصيل. وهكذا، فالقوى السياسية تستثمر في قابلية الإنسان للانقسام الاجتماعي، والقوى الاقتصادية تستثمر في قابلية وعيه للانشطار الاستهلاكي، والمؤسسات العلمية تستثمر في قابلية معرفته للتفتت، والإعلام يستثمر في قابلية انتباهه للتشظي، والسوق يستثمر في قابلية رغباته للتجزئة. الإنسان اليوم لا يُقسَّم من الخارج فقط؛ بل يحمل في بنيته هذا الانقسام. وكل بنية هيمنة حديثة لا تفعل شيئًا سوى استخدام القابلية الأصلية التي أنتجتها التحويلة التطورية.
تقترح الميتابايولوجيا طريقًا بديلاً لا يقوم على تجاوز الظواهر الاجتماعية فحسب، بل على معالجة أصل المشكلة: إعادة فهم النفس بوصفها كيانًا نتج عن حدث ميتابايولوجي لا عن تدرج تطوّري طبيعي. فلا يمكن مقاومة “فرّق تسد” سياسيًا أو اجتماعيًا أو معرفيًا إذا بقي الإنسان منقسماً في إرادته ومشتتاً في دوافعه ومفككاً في رؤيته وعاجزاً عن إدراك كليّة الظواهر. إن تجاوز السيطرة الخارجية يمر عبر ترميم “الوحدة الداخلية” التي انكسرت في لحظة التحويلة التطورية. ومع استعادة الرؤية الكلية، يستعيد الإنسان القدرة على رؤية الغابة، لا الشجرة فقط؛ وعلى تجاوز آلية “فرّق تسد” في جذورها، وليس في تجليتها فحسب.
