“فرّق تَسُد”: من سلاحٍ عسكري إلى هندسة اجتماعية وإبستمولوجية… نحو قراءة موسّعة للمقولة في ضوء البنى الثقافية والاقتصادية للحداثة الغربية

لا تُعدّ مقولة “فرّق تسد” مجرد استراتيجية عسكرية طُوِّرت لإضعاف الخصم عبر تجزئة صفوفه، بل تمثل، في أحد مستوياتها العميقة، آلية اجتماعية-معرفية أُدخلت في منظومات الحكم والتنظيم الاقتصادي والإعلامي المعاصر، بحيث أصبحت أداة لإعادة صياغة العلاقات داخل المجتمع، ولإدارة الوعي، بل ولتحديد شكل إنتاج المعرفة ذاته. لقد تحوّلت المقولة من تكتيك صراعي إلى بنية ذهنية تستبطنها النظم الليبرالية والرأسمالية الحديثة، وتتجلى في مستويات متعددة تتجاوز الساحة العسكرية بكثير.
تُعدّ المجتمعات الغربية مثالًا صارخًا على قدرة النظام الرأسمالي على امتصاص موجات التمرد الشعبي عبر إعادة تدويرها في شكل “حركات” منفصلة، تُفرَّغ تدريجيًا من طابعها الجذري.
1. صناعة الحركات الانعزالية: حين أخذت الأصوات المحتجّة على النظام الاقتصادي الظالم ترتفع في الغرب خلال القرن العشرين، سارعت النخب المهيمنة إلى تفتيت تلك الأصوات عبر إعادة تصنيفها في حركات منفصلة: حركة حقوق المرأة وحركة الحقوق المدنية للأمريكيين السود وحركة الدفاع عن المهمشين اقتصاديًا والحركة البيئية والحركات اليسارية المتنوعة. هذا التفكيك البنيوي أدّى إلى تبديد القدرة على تشكيل كتلة نقدية موحدة قادرة على مواجهة النظام الرأسمالي في صميمه؛ إذ لم تعد القضية “قضية ظلم اقتصادي بنيوي شامل”، بل أصبحت عشرات القضايا المنفصلة، تتنافس أحيانًا فيما بينها، وتتباين لغاتها السياسية، فتتلاشى بذلك إمكانية صياغة خطاب تغييري جامع.
2. إعادة تدوير الاحتجاج: بدل أن تُحدث هذه الثورات الاجتماعية أثرًا جذريًا، جرى احتواؤها عبر تحويلها إلى: منظمات غير حكومية (NGOs) ممولة ونشاطات رمزية وشعارات انتخابية وقضايا “هوية” منفصلة عن البنية الاقتصادية. وبذلك ضاعت القضية الأصل، وتحولت الحركات إلى جزر معزولة؛ تمامًا كما تقتضي آلية “فرّق تسد”؛ هذه الآلية التي أصبحت أداة إبستمولوجية “معرفية” قامت، وعبر خطوات منهجية مدروسة بتفتيت عقل الفرد ذاته:
1. التخصص المفرط: تفتيت المعرفة وذلك لتفتيت القدرة النقدية؛ حيث يلعب النظام المعرفي الحديث الدور نفسه، ولكن داخل حقل الفكر. فالتخصصات العلمية والأكاديمية، التي بدأت وسيلة لتنظيم المعرفة، تحولت تدريجيًا إلى آلية لتقويض الرؤية الكلّية. فلقد بات العالم الأكاديمي ينساق إلى تخصصات دقيقة ثم أدق ثم ما هو أكثر ضيقًا حتى صار الباحثُ لا يرى إلا “شجرة واحدة من الغابة”. هكذا يُحاصر العقل داخل نطاق ضيق يمنعه من إدراك السياقات الكبرى أو الربط بين الظواهر في إطار شامل. والمعرفة المنزوعة من كليّتها تتحول إلى معرفة عاجزة عن مقاومة البنية التي تنتجها.
2. القضاء على الحسّ الموسوعي: إن ما كان يومًا فضيلة فكرية (الرؤية البانورامية، العقل الموسوعي) ، أصبح اليوم “نشازًا” داخل المنظومة الأكاديمية. وهكذا تعمل آلية “فرّق تسد” داخل الذهن نفسه: فرّقت المعرفة إلى مجالات ضيقة فسادت المنظومة التي تكافئ الحقل المتخصص وتزدري النظر الشامل فانهزم العقل أمام القدرة على إدراك “الصورة الكبيرة”. وهكذا يصبح الباحث رهينة تخصصه، وتفقد الإنسانية قدرتها على إنتاج فكر قادر على تشخيص أزمات الحضارة في جذورها، وليس في أعراضها.
تكشف الأمثلة السابقة أننا لا نتعامل مع “تطبيقات منفصلة” للمقولة، بل مع بنية شاملة تحكم آليات السيطرة في الحضارة الحديثة، وذلك كما يلي:
1. تفتيت الإنسان: المقولة نفسها تُطبَّق على الفرد وذلك عن طريق آليات تتمثل فيما يلي: فصل الإنسان عن جذوره الروحية وتفتيت انتماءاته الاجتماعية وتقسيم وقته ووعيه ورغباته، ثم شطر ذاته بين فردانية متوحشة وجماعية زائفة.
2. تفتيت المجتمعات: المجتمع يُفكّك إلى طبقات وجماعات عرقية وهويات متنافسة ومصالح متناقضة.
3. تفتيت الفكر: المعرفة تُجزّأ بحيث لا تعود قادرة على نقد المنظومة التي تنتجها.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمعات والأفراد اليوم لا يتمثل في مقاومة قوة مادية أو نظام سياسي فحسب، بل في إدراك الكيفية التي تُمارَس بها السيطرة على مستوى الوعي ذاته. فالمقولة تتحول، عبر البنى الحديثة إلى أداة لإعاقة رؤية “الكُلّ”، سواء كان هذا الكلّ المجتمع أو الاقتصاد أو التاريخ أو الإنسان نفسه، ولا سبيل لمقاومة هذه البنية إلا عبر استعادة الرؤية الكلية التي تحرر الإنسان من أسر التخصص الضيق ومن جزر الهويات المتصارعة ومن تشظي الوعي.
بهذا المعنى، تصبح إعادة الاعتبار للنظر الموسوعي وللوحدة البنيوية للظواهر الإنسانية إحدى أشكال مقاومة “فرّق تسد” في زمن تُمارس فيه السيطرة لا على الأرض بل على العقول.

أضف تعليق