
يظنُّ البعض أنَّ اللهَ تعالى قد قضت مشيأتُه أن يُحكِّمَ في الوجود قوانينَ وأسباباً كفَّلَها تسييرَ وقائعِه وأحداثِه، وأنه لم يجعل لغيرِ هذه القوانينِ والأسباب أيَّ دورٍ في هذا الوجود وإن اقتضى الأمرُ أن يكونَ ذلك تجلياً من لدنه وتدخلاً مباشراً. فهذا البعض يرى أنَّ التدخلَ الإلهيَّ المباشر في أحداثِ الوجود يتعارضُ مع ما تقتضيه المقاربةُ العقلانيةُ للدين ولما يعنيه أن يكونَ هنالك ربٌّ لهذا الوجود. وهذه المقاربةُ العقلانية للدين تتصادم بالضرورة مع ما ينصُّ عليه القرآنُ العظيم، الذي تقدم لنا آياتُه الكريمة صورةً لهذا الوجود تستعصي على أيِّ مقاربةٍ عقلانيةٍ-منطقيةٍ له. صحيحٌ أنَّ هذا الوجود، وفقاً للقرآنِ العظيم، محكومٌ بقوانينَ وأسباب تتكفلُ بإذن اللهِ تعالى بتسييرِ شؤونِه، إلا أنَّ هنالك مساحةً لتدخلِ اللهِ المباشر في وقائعِه وأحداثِه قد شدد عليها هذا القرآن أيضاً. غير أنه من الصحيح أيضاً أنَّ الإنسانَ يتعذرُ عليه أن يتبيَّنَ أياً من أحداثِ الوجود سيتدخل اللهُ فيها تدخلاً مباشراً يغيِّر مسارَها صوب وجهةٍ غير وجهتِها الأصلية. فاللهُ تعالى يفاجئ الإنسانَ بتدخُّلِه المباشر في أحداثٍ لم يكن ليتوقعَ أن تشهدَ هذا التدخل من لدنه. وفي المقابل، فإنَّ اللهَ تعالى يُحجم في كثيرٍ من الأحيان عن أن يتدخلَ تدخلاً مباشراً في أحداثٍ ألحَّ الإنسانُ عليه بدعاءٍ عريض أن يتدخلَ فيها.
فما يفوت الإنسانَ أن يدركَه بهذا الشأن هو أنَّ الأمرَ لله، فإن شاء تدخلَ تدخلاً مباشراً، وإن شاء أحجم. فالأمر منوطٌ بإرادةِ اللهِ ومشيئتِه وليس بما يريده الإنسانُ ويتمناه. ولكن تبقى قدرةُ اللهِ تعالى على أن يتدخل مباشرةً في أحداثِ العالَم حقيقةً قرآنيةً لا شك فيها، وذلك بشهادةِ ما أورده القرآنُ من تفاصيلَ تخصُّ تدخلِ اللهِ المباشرِ هذا، سواءٌ في حياةِ الأفراد أو في حياةِ الأمم.
ويكفينا في هذا السياق أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قصة النبي موسى والعبد الصالح كما فصَّلتها آياتُ سورةِ الكهف. فخرقُ العبدِ الصالح لسفينةِ المساكين، وقتلُه الغلام، وبناؤه الجدار، أفعالٌ لا يرتضيها عقلٌ سليم ولا يقرُّها منطقٌ قويم. غير أنَّ حقيقةَ ما حدث تقصُّ علينا روايةً أخرى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا. وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا. فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي( (79- من 82 الكهف).
هذا فيما يخص التدخل الإلهي المباشر في حياةِ الأفراد. أما تدخل اللهِ المباشر في حياةِ الأمم، فإنَّ من بين الأمثلةِ القرآنيةِ عليه قصةُ سيدِنا يوسف التي يشتمل جانبٌ منها على ما أحدثه التدخل الإلهي المباشر في حياةِ أمم الشرق القديم من تأثيرٍ مصيري. فقصةُ سيدِنا يوسف، كما يقصُّها علينا القرآن، قد قدَّمت لنا ما يعينُنا على تبيُّنِ الدورِ القدَري للنبي يوسف في إنقاذِ تلك الأمم من مصيرٍ قاتم؛ فهي تقدم لنا تصويراً دقيقاً لما آلت إليه جملةُ الأحداث، المسبَّبة بقوانين وأسباب تنتمي لعالَمِنا هذا، بعد أن تدخل اللهُ تعالى في مسارِ صيرورتِها فجعلها تتخذ وجهةً غير تلك التي تخضع لقانون “السبب- النتيجة”. فلولا تدخل اللهِ المباشر في تلك الأحداث التي تمحورت من حولِ النبي يوسف لما أصبح من “أهلِ الحلِّ والعقد” عند مَلِك مصر، ولَما كان بمقدورِ أهلِ مصر ومَن جاورهم من شعوبِ الشرق القديم، أن ينجوا من ذلك الجفاف العظيم.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أنَّ تدخلَ الله المباشر في أحداثِ العالَم يوجبُ علينا أن نعيدَ كتابةِ تاريخ البشرية، وبما يجعلنا أكثرَ قرباً من فهمِ حقيقةِ ما جرى حتى انتهى الأمرُ إلى ما نحن عليه اليوم.
